كتب ألان سركيس في “نداء الوطن”:
أتت زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى العاصمة الإسبانية مدريد في توقيت حساس. المنطقة والعالم قد يشهدان على أكبر تغيير والأنظار تشخص إلى طهران. ويحاول لبنان حجز مقعد له في لعبة الكبار كي لا تأتي التسوية على حسابه.
كانت الفترة الممتدّة من عام 1991 إلى عام 2000 مفصليّة. يومها سُجّل دفع أميركي باتجاه عملية السلام وإنهاء الصراع التاريخي وإيجاد حلّ للقضية الفلسطينية. وعند ذكر اسم مدريد تعود إلى الأذهان عملية السلام التي انطلقت في مدريد عام 1991، واستكملت المحادثات في واشنطن حيث كان لبنان حاضرًا، وتُوّجت بتوقيع اتفاق “أوسلو” لحل الصراع العربي – الإسرائيلي.
عاش لبنان حالة ترقب في تلك الفترة، وهلّل للسلام وباشر الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعملية إعادة الإعمار والاقتراض مراهنًا على السلام الآتي. جرت الرياح عكس ما تشتهيها السفن اللبنانية والفلسطينية والعربية، سقطت أساسات محادثات مدريد واتفاقية أوسلو باغتيال الرئيس الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1995 وفُتح الصراع في المنطقة على مصراعيه.
وبينما كان السلام يطرق أبواب المنطقة، كانت إيران تدعم وتجهّز أذرعتها في لبنان والمنطقة بغض نظر أميركي. المطلوب كان وجود “بعبع” للعرب اسمه إيران. وهذا “البعبع” فجّر الصراع السني – الشيعي في المنطقة ونقل الحرب من إسرائيلية – عربية إلى فارسيّة – عربية بعد محاولات طهران السيطرة على العواصم العربية واحتلالها، ونجحت إلى حدّ كبير.
خدم المشروع الإيراني المخطّط الإسرائيلي، والآن انتهى دوره. ومع استعداد لبنان والعالم لوداع الإمبراطورية الفارسية خصوصًا بعد القرار الأميركي الحاسم بإنهاء دورها وقص أذرعها، يسعى لبنان إلى الانتقال من مرحلة حكم الإمبراطورية الفارسية إلى استعادة سيادة الدولة بهدوء ودون حروب وأزمات داخلية.
وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تقود الاتصالات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، إلا أن هناك دولًا تلعب أدوارًا مهمّة، وأبرزها سلطنة عُمان التي قصدها الرئيس جوزاف عون منذ فترة وطلب مساعدتها وإقناع إيران بالتخلي عن ذراعها اللبنانية وتسهيل أُطر الحلّ دون وقوع صدام مع الجيش.
وتشير المعلومات إلى استمرار الاتصالات بين عمان وإيران وأميركا وإسرائيل، وستتابع في اسطنبول وفي المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي ستحصل وسط السباق بين المفاوضات والضربة العسكرية. وستشمل المفاوضات لبنان أيضًا حيث تضع الولايات المتحدة تسليم سلاح “حزب الله” كبند أساسي لأي حل في لبنان والمنطقة.
يسعى الرئيس عون إلى استنفار كل أصدقاء لبنان، وتأتي زيارته إلى مدريد في هذا السياق، لم يطلب عون وساطة إسبانيا بل طلب تفهمًا للموقف اللبناني. وتدرك مدريد أن واشنطن لا تسمح لأحد غيرها بمتابعة الملف اللبناني، حتى فرنسا قد أُبعدت نسبيًا عن الملف ويقتصر دورها على الأمور الهامشيّة والتي لا تؤثر على جوهر المفاوضات والترتيبات الحاصلة في المنطقة خصوصًا أن باريس تملك مصالح مع النظام الإيراني.
لا شكّ أن زيارة عون إلى مدريد مهمّة، لكن هذه الزيارة ليست لحلّ الأزمة الراهنة، بل يدخل جزء كبير منها لترتيب مرحلة ما بعد إنهاء أزمة إيران واستطرادًا “حزب الله”. تبدي إسبانيا استعدادها للمشاركة في القوات الأوروبية التي ستحلّ محلّ “اليونيفيل”، وهذه القوات من المفترض أن تساعد الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني، وبالتالي يقوم الرئيس عون بالتواصل مع الدول الأوروبية ومن ضمنها الدولة الإسبانية لوضع إطار لعمل تلك القوات وعدم ترك الأمور للحظة الأخيرة.
ولا تستطيع هذه القوات البقاء في الجنوب من دون موافقة إسرائيل وأميركا، من هنا اكتسبت محادثات عون طابعًا مهمًا لأنه في البداية يجب أخذ موافقة الدول التي ضمن قوات “اليونيفيل” من أجل البقاء وبعدها يتم التحدّث مع الأميركيين.
أخذت زيارة عمان طابعًا تفاوضيًا دبلوماسيًا وتكتسب زيارة مدريد طابعًا اقتصاديًا عسكريًا. وبين الزيارتين يبقى القرار الأخير لواشنطن التي تملك مفاتيح الربط والحل في لبنان والمنطقة.



