أخبار عاجلة
طهران تنفي توقيع اتفاق موقت مع واشنطن -
بشارة الأسمر: هذا الأسبوع سيكون حاسماً -
4546 مخالفة سرعة زائدة خلال أسبوع -
19 قتيلا بحادث حافلة في جبال نيبال -
هل ألغى كريم بنزيما متابعة حسام عوار؟ -

طرابلس… قصة مدينة أُسقطت عمدًا

طرابلس… قصة مدينة أُسقطت عمدًا
طرابلس… قصة مدينة أُسقطت عمدًا

كتبت فتات عيّاد في “نداء الوطن”:

“بناية عم توقع، في كتير ناس بقلبا… 14 ماتوا تحت الركام”… هو مشهد انهيار المبنى في طرابلس باب التبانة على رؤوس سكانه منذ أيام. مشهد – مماثل بصريًا – لمباني الجنوب المدمرة في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان… وفي اليوم نفسه الذي زار فيه رئيس الحكومة نواف سلام الجنوب، انهار مبنى طرابلس، في توقيت “رمزي”، كان يعلن بدوره أن الدولة كانت غائبة عن طرابلس أيضًا، وأن كما إسرائيل تقتل وتدمر جنوبًا، فإن إقصاء طرابلس عن الإنماء، قادر أيضا على التدمير والقتل! فالمبنى ليس إلا واحدًا من بين قرابة 600 مبنى آيل للسقوط، وبعلم من الدولة.

وإذا اعتبرنا أن متوسط السكن هو 10 أشخاص في كل مبنى، سنكون أمام 6000 شخص مهددة حياتهم في طرابلس اليوم. ما يجعلنا نسأل: من “خزّن” لعقود، ظروف انهيار مئات المباني على رؤوس قاطنيها، في جريمة إهمال عمد لا تقل خطورة عن تخزين نيترات الأمونيوم 7 سنوات في مرفأ بيروت؟ ليتضح بأن “دولتي فعلت هذا” في طرابلس أيضًا، فالمبنى وقع في لحظة، أما أسباب انهياره، فتطلبت عقودًا من الإهمال الممنهج للمدينة. ما يجعلنا نسأل: أي وظيفة أدى ذلك الإهمال داخل المدينة؟ ولماذا همشت طرابلس حتى باتت عاصمة الشمال، التي تملك مرفئًا يصلها بالعالم، أقرب إلى ضاحية؟

فطرابلس لم تُهمَّش فقط نتيجة انهيار الدولة، بل وصمت بشكل ممنهج بالفقر والإرهاب. متلازمتان عطلتا قوتها الجيوسياسية في المنطقة من موقع استراتيجي على بحر المتوسط، وبوابة لبنانية إلى سوريا. المدينة ذات الأكثرية السنية المعارضة لنظام الأسد و”حزب الله” لم تكن تُقصى عن الخارطة الاقتصادية اللبنانية وحسب، إنما عن دورها السياسي الوطني، ليصبح السؤال أعمق من تعويم زعاماتها: لماذا كان لا بد من إضعاف طرابلس؟ وما الوظيفة التي أُنيطت بها داخل النظام اللبناني؟ وكيف أدى الإفقار والقبضة الأمنية إلى تلك الوظيفة؟

الإفقار كسياسة تطويع

بعد انتهاء الحرب الأهلية، أصبح مركز الثقل الاقتصادي، في دولة ذات إدارة مركزية، في بيروت العاصمة. وتقلص دور طرابلس تدريجيًا، وعطلت مصفاة النفط في البداوي، وبالكاد كان مرفأ طرابلس متنفسًا وحيدًا وعصبًا للمدينة، يبقيها على قيد الإنعاش الاقتصادي.

أتى إخراج طرابلس من مشروع اقتصادي وطني، ضمن سياسة اعتمدتها الدولة مع المحافظات الأطراف: البقاع، الجنوب والشمال لتغذي نظامها الاقتصادي في المركز، وهو ما ترافق مع سياسة إفقار وتجهيل داخل طرابلس، كي تحوّل ظروف الحياة فيها إلى ظروف ضاحية، وتفقدها مقومات العاصمة، وتُلفظ من الخارطة الوطنية على مستوى غياب المشروع الاقتصادي، عبر إفقارها بسياسات تهميش وفساد ممنهجة. فكيف تم ذلك؟

في العام 2015، قدّرت الإسكوا ESCWA أن 57 % من سكان طرابلس محرومون، و26 % منهم يعيشون في فقر مدقع. وفي  العام 2022، أشار البنك الدولي إلى أن الكساد المتعمّد في لبنان هو “من تدبير قيادات النخبة في البلاد التي تسيطر منذ وقت طويل على مقاليد الدولة وتستأثر بمنافعها الاقتصادية”.

هذا يعني أن إفقار طرابلس وتهميشها كانا سياسة حكم لا انهيار دولة فقط. سياسة نجحت في جعلها أفقر مدينة على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

أما دور الإفقار فكان أولًا: ضمان التبعية والولاء لزعامات وأثرياء المدينة. وثانيًا، التحضير لتحويل المدينة إلى ملف أمني كبير، يخرجها من المعادلة السياسية، أو بمعنى أوضح، يعطل دورها السياسي. ومن لا اقتصاد له، لا دور سياسيًا له!

معارك الإلهاء أو إعادة توجيه الغضب

في المدينة ذابت الطبقة الوسطى: إما أغنياء وإما فقراء وإما فقر مدقع. ارتفعت صور الزعماء على أفقر المباني، وها هي هذه المباني تنهار، لتدين زعماء المدينة وسياساتهم التي تسببت بانهيارها!

في التبانة وجبل محسن، استمرت جولات المعارك بين الفقراء حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية، واشتدت  بعد الثورة السورية عام 2011، ليختصر مشهد الانقسام بين الشارع السني المعارض لنظام الأسد، بباب التبانة، و”الممانعة” بجبل محسن ذي الأغلبية العلوية، لكن بساحة حرب فعلية متجددة.

هكذا وفي لحظة، عرّى مشهد سقوط مبنى “فقراء” في التبانة، عقودًا من تحوير الصراع: من الغضب الشعبي العمودي نحو سياسات وسياسيين همشوا المدينة، إلى غضب أفقي كان يدار بين فقرائها. فأبنية التبانة الفقيرة، لا تختلف ببنيتها الضعيفة عن أبنية جبل محسن الفقيرة. وحدها صور الزعماء تختلف وتعزز “الخلاف”، أما الإهمال العمد للمباني الآيلة للسقوط وعدم تدعيمها، فواحد!

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق طرابلس… قصة مدينة أُسقطت عمدًا
التالى بيروت تستعد لتوقيع اتفاقية مع دمشق للإفراج عن 300 سجين