أخبار عاجلة

“اللبنانية” أمام مفترق استراتيجي

“اللبنانية” أمام مفترق استراتيجي
“اللبنانية” أمام مفترق استراتيجي

كتب عيسى يحيى في “نداء الوطن”:

بين إنصاف المتعاقدين ومبدأ التناسب الأكاديمي، يطرح ملف التفرّغ في الجامعة اللبنانية سؤالًا بنيويًا حول الحاجة الفعلية، والاستدامة المالية، وأثر القرار على موقع الجامعة محليًا دوليًا.

إن معالجة أوضاع المتعاقدين في الجامعة اللبنانية مسألة عادلة ومطلوبة، لكن العدالة الوظيفية لا تنفصل عن العدالة الأكاديمية وسلامة القرار المؤسسي. فالتفرّغ ليس إجراءً اجتماعيًا فحسب، بل قرار بنيوي طويل الأمد يعيد تشكيل الكتلة الأكاديمية للجامعة ويؤثر مباشرة على توازنها العلمي والمالي.

الإطار القانوني: ما الذي قاله القانون وقرار التفرغ 2014؟

القانون 66، قانون تنظيم الجامعة اللبنانية، والمرسوم 9084 حددا آليات واضحة للتفرّغ والتعاقد، وربطا التوظيف بالحاجة الأكاديمية الفعلية وبالملاك المعتمد.

وآخر قرار تفرّغ صادر عام 2014 (قرار مجلس الوزراء رقم 32 ) ربط صراحةً التفرّغ بتحديد ملاكات الكليات والمعاهد، ووضع هذه الملاكات موضع التنفيذ، وربطه بالشغور الفعلي في تلك الملاكات، والتشديد على الالتزام بأحكام المرسوم 9084. أي أن الأصل في التفرّغ ليس عدد الساعات، بل وجود ملاك محدد وشغور مثبت وحاجة أكاديمية موثقة.

الحاجة الأكاديمية: ماذا تقول الأرقام؟

تراجع عدد طلاب الجامعة اللبنانية من نحو 81 ألفًا عام 2019/2018 إلى نحو 64 ألفًا اليوم، أي انخفاض يقارب 17 ألف طالب. كما أن التراجع الملحوظ في أعداد طلاب اختصاصات الإنسانيات في المرحلة الثانوية ينعكس مباشرة على بعض الكليات النظرية. وقد أعلنت رئاسة الجامعة هذا العام إقفال مسارات في ماستر الآداب لعدم استيفاء الشروط الأكاديمية، ما يؤكد أن الحاجة ليست متزايدة في كل الاتجاهات.

في ضوء هذه المعطيات، فإن الحاجة الأكاديمية الفعلية المقدّرة بنحو 800 تفرّغ تمثل سقفًا متناسبًا مع الواقع الطلابي الحالي. أما رفع العدد إلى 1653، أي أكثر من ضعف الحاجة الواقعية، فينشئ توسعًا عدديًا غير مبرر ويطرح سؤال التناسب بوضوح.

معيار الـ 200 ساعة: مساءلة مباشرة

في بيانها الأخير، أكدت وزيرة التربية أنها “لم تُدخل أو تُخرج أي أسماء خلافًا للمعايير”، وأن معيار 200 ساعة شكّل أساسًا في تحديد الحاجة.

غير أن إدراج حوالى 400 متعاقد تقلّ أنصبتهم عن 200 ساعة، وبعضهم تقلّ أنصبته عن 50 ساعة فقط، يطرح إشكالية جوهرية لا يمكن تجاوزها.

إذا كان معيار 200 ساعة هو الأساس، فكيف يُدرج من هم دون هذا السقف؟ وإذا لم يكن حاسمًا، فلماذا قُدِّم للرأي العام كمعيار موضوعي؟

الأخطر أن معدل نصاب الأستاذ المتفرّغ يقارب 250 ساعة سنويًا، في حين أن نصاب موظفي القطاع العام يتراوح بين 125 و160 ساعة. فكيف سيتم تأمين نصاب كامل يقارب 250 ساعة لمن يدرّس حاليًا أقل من 50 أو 125 أو 160 ساعة؟

هل توجد كتلة طلابية فعلية تبرّر ذلك في ظل تراجع الأعداد وإقفال بعض المسارات؟ أم أن القرار سيؤدي إلى تضخم في الهيكل التعليمي وإعادة توزيع قسري للساعات داخل الوحدات؟

إن هذه الأسئلة ليست تقنية هامشية، بل تتصل مباشرة بواقعية القرار، وقدرته التشغيلية، واستدامته المالية. وأي غموض في الإجابة عنها يضع الرأي العام أمام تضارب بين الخطاب والمعطيات الرقمية.

المعايير العالمية: لا معيار واحدًا لكل الجامعة

في الجامعات المعتمدة عالميًا، تُقاس الحاجة الأكاديمية بنسبة الطلاب إلى الأستاذ وفق طبيعة الكلية: الكليات النظرية 45 – 35) طالبًا لكل أستاذ، الكليات العلمية التطبيقية (25 – 18)، الكليات المخبرية (18- 12)، والكليات الصحية والسريرية (12–6) اعتماد معيار موحّد على مستوى الجامعة ككل يتناقض مع هذه الأسس المعتمدة عالميًا.

السمعة والتصنيف

لقد حسّنت الجامعة اللبنانية موقعها الدولي خلال السنوات الماضية رغم عدم صدور قرارات تفرّغ منذ عام 2014، ورغم انخفاض عدد الأساتذة نتيجة التقاعد إلا أن أي توسّع عددي سريع بهذا الحجم قد يؤثر على مؤشرَي البحث العلمي والسمعة الأكاديمية في التصنيفات العالمية نتيجة زيادة الكتلة الأكاديمية دون نمو متزامن في الإنتاج العلمي.

البعد المالي ومسار الإصلاح

إن إنشاء التزامات دائمة بهذا الحجم، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، يطرح مسألة الاستدامة والقدرة على التمويل المستمر.

وفي سياق مسار الإصلاح الذي تعلن الدولة التزامها به، وتحت أعين الجهات الدولية المعنية بالإصلاح المالي والإداري، ومن بينها صندوق النقد الدولي، فإن أي قرار واسع الأثر في قطاع عام أساسي كالتعليم العالي يُقرأ ضمن سياق الحوكمة الرشيدة وضبط الإنفاق العام.

حول الطابع المؤسسي للقرار

في بيانها الأخير، شددت وزيرة التربية على التزامها إخراج الملف من الاستنسابية والزبائنية وترسيخ آلية مؤسساتية شفافة تضمن العدالة والاستقرار الأكاديمي.

غير أن المعطيات المنشورة رسميًا على صفحة وزارة التربية تُظهر أن ملف التفرّغ بحثته وزيرة التربية مع رئيس مجلس النواب، مع الإشارة إلى الاستماع إلى توجيهاته في هذا الشأن.

وهنا يبرز سؤال مؤسسي مشروع: إذا كان الهدف تحصين الملف داخل الإطار الأكاديمي والقانوني، فهل المرجعية الطبيعية لقرار بنيوي يخص الجامعة الوطنية تكون خارج مجالسها الأكاديمية؟ أم أن الأصول تقتضي حصر تحديد الحاجة بالهيئات العلمية المختصة، وضمن التسلسل الإداري المعتمد؟

إن السؤال المطروح اليوم ليس مع من نقف، بل أي جامعة نريد؟ جامعة تُبنى على الحاجة الفعلية والمعايير الأكاديمية، أم جامعة تُدار بمنطق الأرقام المجردة؟

إن ما يجري اليوم ليس تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل قرار سيعيد رسم البنية الأكاديمية للجامعة لسنوات طويلة.

التفرّغ حق عندما يكون متناسبًا ومُبرَّرًا علميًا، لكنه يتحوّل إلى تضخم عندما يتجاوز الحاجة الواقعية ويُنشئ التزامات طويلة الأمد لا يواكبها نمو في عدد الطلاب أو في الإنتاج البحثي.

المطلوب اليوم إجابات واضحة بالأرقام، لا تطمينات عامة. فالجامعة الوطنية ليست مساحة اجتهاد سياسي، بل مؤسسة أكاديمية يفترض أن تُدار بمعايير دقيقة وشفافة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق عون: صحة المواطن خط أحمر!
التالى سعيد أطلع عون على الملفات المتعلقة باحتمالات اختلاسات