مجلس الشيوخ بين النص والواقع: “دولة المؤسسات” رهن الاختبار

مجلس الشيوخ بين النص والواقع: “دولة المؤسسات” رهن الاختبار
مجلس الشيوخ بين النص والواقع: “دولة المؤسسات” رهن الاختبار

كتب ابراهيم الرز في “المدن”:

عاد النقاش حول مجلس الشيوخ من بوابة تطبيق اتفاق الطائف كاملاً، حيث يربط بعض الطروحات الداخلية والدولية بين الإصلاح السياسي وإقرار قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، وإنشاء مجلس الشيوخ، وإلغاء الطائفية السياسية تدريجياً. 

وفي هذا السياق، يُطرح احتمال تأجيل الانتخابات النيابية، إذا تقرر تنفيذ هذه السلة الإصلاحية دفعة واحدة، على أساس أن الانتقال إلى نظام سياسي جديد يحتاج إلى مرحلة انتقالية تشريعية ودستورية تسبق أي استحقاق انتخابي. ويرى مؤيدو هذا الطرح أن إجراء انتخابات وفق النظام الحالي يعيد إنتاج الأزمة نفسها، فيما يخشى معارضوه أن يتحول التأجيل إلى تمديد مقنّع تحت عنوان الإصلاح.

في موازاة ذلك، أعاد رئيس الحكومة نواف سلام وضع الملف في صلب النقاش العام، مشيراً في مواقفه الأخيرة إلى إمكان الانتقال إلى نظام المجلسين المنصوص عليه دستورياً، بحيث يُحصر التمثيل الطائفي في مجلس الشيوخ ويُنتخب مجلس النواب على أساس وطني. كما لفت إلى أن الاقتراحات المتعلقة بإنشاء المجلس موجودة، لكنها لم تحظَ بالاهتمام الكافي، داعياً إلى تطبيق المادة 95 من الدستور كاملة كمدخل لإلغاء الطائفية السياسية تدريجياً. وفي مقاربة إصلاحية، شدّد على أن الهدف هو تعزيز المواطنة وتطوير النظام السياسي، وليس إلغاء التوازنات أو استبدالها بتوازنات جديدة.

مجلس الشيوخ في الدستور

يظهر مجلس الشيوخ في لبنان كبند دستوري مؤجّل منذ إقرار اتفاق الطائف عام 1989، الذي وضع أسس النظام السياسي بعد الحرب الأهلية وأعاد توزيع الصلاحيات بين السلطات. فقد نصّت المادة 22 من الدستور المعدّل على إنشاء مجلس شيوخ تتمثل فيه الطوائف،  بالتوازي مع انتخاب مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي. الفكرة الجوهرية كانت نقل التمثيل الطائفي إليه، وحصر دوره بالقضايا المصيرية، مقابل تحرير العمل التشريعي والسياسي اليومي من القيد الطائفي. إلا أن هذا التحوّل بقي نظرياً، إذ ربط الدستور إنشاء مجلس الشيوخ بإلغاء الطائفية السياسية، وهو مسار لم يبدأ فعلياً منذ انتهاء الحرب. ومع إعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها ضمن نظام المحاصصة، تراجع الاهتمام بالإصلاح البنيوي لصالح تثبيت التوازنات القائمة. كما أن الانتقال إلى مجلس نواب غير طائفي يستدعي قانون انتخاب جديداً وهيئة وطنية لإلغاء الطائفية السياسية وتوافقاً سياسياً واسعاً، وهي شروط لم تتوافر في أي مرحلة منذ التسعينيات.

وفي هذا السياق، يوضح الوزير السابق، الدكتور خالد قباني في مداخلة لـ”المدن” “أن اتفاق الطائف ربط بصورة عضوية بين إنشاء مجلس الشيوخ وإلغاء الطائفية السياسية. فالمادة 22 من الدستور ، لا يمكن قراءتها بمعزل عن المادة 95 التي تنص صراحة على العمل لإلغاء الطائفية السياسية.” يضيف قباني ” إن الخطوة الدستورية الأولى لا تتمثل بإنشاء المجلس بحد ذاته، بل بالشروع في تنفيذ مقتضيات المادة 95، أي إطلاق مسار إلغاء الطائفية السياسية وفق الآليات الدستورية المنصوص عليها. وبعد إتمام هذه المرحلة، يُصار إلى إنشاء مجلس الشيوخ الذي تتمثل فيه “العائلات الروحية”، كما يسميها الدستور، وتُحصر صلاحياته بالقضايا المصيرية.

عقبات دستورية وسياسية

لا يقتصر تعطيل إنشاء مجلس الشيوخ على غياب الإرادة السياسية، بل يرتبط أيضاً بعقبات دستورية ووظيفية معقدة. فاعتماد نظام المجلسين يتطلب تحديد صلاحيات مجلس الشيوخ بدقة، وتعريف “القضايا المصيرية” التي ينظر فيها، وآليات التنسيق أو الفصل بينه وبين مجلس النواب، إضافة إلى آلية حل النزاعات التشريعية المحتملة بين الغرفتين. كما يرتبط النقاش غالباً بعوامل أوسع، مثل مسألة السلاح خارج الدولة، والاستقرار الأمني، والتوازنات الإقليمية، ما يدفع القوى السياسية إلى تأجيل الخوض في تغيير بنية النظام.

ويشير قباني هنا إلى ” أن إلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس الشيوخ هما، في نص اتفاق الطائف ومقدمة الدستور، من المداخل الأساسية للإصلاح الوطني والسياسي. فالمقدمة أكدت السعي إلى إلغاء الطائفية السياسية، وجاءت المادة 22 لتربط هذا المسار بإنشاء مجلس الشيوخ.” ويؤكد قباني ” أن الإشكالية، لا تكمن في غموض النصوص بل في غياب القرار السياسي لتطبيقها، إذ إن هذه الخطوات من شأنها أن تعيد صوغ التوازنات القائمة، وهو أمر يخيف كل اللبنانيين في ظل الإنقسامات الحالية، التي للأسف تزداد اتساعا”.

ورغم ذلك، لم تغب الفكرة عن التداول السياسي. فقد طُرحت مشاريع لإنشاء مجلس شيوخ قبل الحرب الأهلية، وعادت إلى طاولات الحوار الوطني في السبعينيات، ثم أعيد طرحها بعد الطائف ضمن مشاريع إصلاح سياسي لم تُستكمل. وفي السنوات الأخيرة، قُدمت اقتراحات قوانين لتنظيم المجلس. فمثلاً قدّم النائبان ملحم خلف ونجاة عون بتاريخ 19 أيار 2025 اقتراح قانون لتنظيم إنشاء مجلس الشيوخ مع القضايا المرتبطة به، كما قدّم النائب علي حسن خليل في 20 آذار 2025 مشروع قانون ينصّ على مجلس نواب من 134 عضوًا ومجلس شيوخ من 46 عضوًا لولاية ست سنوات يرشح أعضاؤه عن طوائفهم، إلا أنها بقيت ضمن اللجان النيابية ولم تتحول إلى تشريع نافذ. ويعكس هذا المسار نمطاً متكرراً في الحياة السياسية اللبنانية: توافق نظري على الإصلاح مقابل غياب الاستعداد لتحمّل كلفته السياسية الفعلية، خاصة إذا كان سيؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ أو تقليص الامتيازات الطائفية.

وفي تفسيره لأسباب التعطيل المتكرر، يلفت قباني إلى “أن الخشية السياسية لا تنفصل عن هاجس اختلال التوازنات الطائفية كما تراها القوى الممثلة في السلطة. فإلغاء الطائفية السياسية، إذا طُبق فعلياً، يعني الانتقال إلى نظام تمثيل مختلف جذرياً، الأمر الذي يثير مخاوف من إعادة توزيع مراكز النفوذ.” كما يعتبر قباني ” أن هذا المسار يشكل، من الناحية الدستورية، مدخلاً إصلاحياً أساسياً، إلا أن توقيته يبقى رهناً بظروف سياسية ووطنية ملائمة لم تنضج بعد.

حتى الآن، يبقى إنشاء مجلس الشيوخ رهناً بقرار سياسي شامل يعيد تعريف شكل النظام اللبناني وحدود الطائفية في الحياة العامة. وبين الطرح الإصلاحي والواقع السياسي، يظل هذا البند من اتفاق الطائف اختباراً لمدى استعداد الدولة اللبنانية للانتقال من إدارة التوازنات الطائفية إلى بناء نظام يقوم على المواطنة والمؤسسات.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مجلس الشيوخ بين النص والواقع: “دولة المؤسسات” رهن الاختبار
التالى بيروت تستعد لتوقيع اتفاقية مع دمشق للإفراج عن 300 سجين