أخبار عاجلة

واشنطن ترسم خارطة الطريق والضغوط تفكّ عقدة الجنوب

واشنطن ترسم خارطة الطريق والضغوط تفكّ عقدة الجنوب
واشنطن ترسم خارطة الطريق والضغوط تفكّ عقدة الجنوب

كتب داود رمال في نداء الوطن:

شكّلت الجولة الأخيرة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في واشنطن، بوساطة أميركية، محطة مفصلية في مسار تنفيذ ترتيبات وقف الأعمال العدائية على الجبهة الجنوبية، بعدما أفضت إلى تثبيت مجموعة من المرتكزات التي يعتبرها الجانب اللبناني إنجازات تفاوضية أساسية من شأنها أن تؤسس لمرحلة جديدة مختلفة عن كل ما سبقها منذ انطلاق المسار التفاوضي أواخر العام الماضي.

الإنجاز الأول تمثّل في نجاح الوفد اللبناني في إدراج كامل الأجندة اللبنانية على طاولة المفاوضات الثلاثية، بحيث لم يعد النقاش محصورًا بإجراءات أمنية أو ترتيبات ميدانية جزئية، بل بات يرتكز على مقاربة متكاملة تعتبر أن وقف إطلاق النار الشامل يشكل المدخل الإلزامي لمسارين متوازيين ومتلازمين: انسحاب إسرائيلي تدريجي من كامل الأراضي اللبنانية التي تحتلها، مقابل بسط الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة بقواها الذاتية على المناطق الجنوبية، بما يؤدي عمليًا إلى تكريس حصرية قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية اللبنانية.

أما الإنجاز الثاني فتمثّل في التحول الواضح في الموقف الأميركي باتجاه تبنّي الطرح اللبناني والدفاع عنه داخل المفاوضات. وقد تجلّى ذلك بصورة مباشرة من خلال تراجع الجانب الإسرائيلي عن مسودة إعلان النيات التي كانت مطروحة في المراحل السابقة. ويعود ذلك إلى نجاح الوفد اللبناني، برئاسة المفاوض المقاتل السفير سيمون كرم، وبمتابعة مباشرة ومتواصلة من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، على مدى الثماني والأربعين ساعة من جلسات التفاوض، في إعادة صوغ النقاش التفاوضي على قاعدة إدخال كامل المطالب اللبنانية إلى صلب المسودة المطروحة، الأمر الذي أدى إلى إسقاط النسخة التي كانت تلبي بدرجة أكبر الرؤية الإسرائيلية.

الإنجاز الثالث والأكثر أهمية يكمن في الوصول، للمرة الأولى، إلى تصور عملي وآلية تنفيذية واضحة للمسار المقبل. فبعد أشهر طويلة من المباحثات، باتت هناك ثلاثة مفاهيم تم الاتفاق عليها كأساس للانطلاق: وقف شامل لإطلاق النار، ومنطقة تجريبية، ومناطق محظورة على الأعمال العدائية.

ويعني ذلك عمليًا أن وقف إطلاق النار لن يكون إجراء شكليًا أو موقتًا، بل خطوة متزامنة مع إنشاء منطقة تجريبية يتم تحديدها بالتوافق بين الأطراف الثلاثة. وقد أصر الجانب اللبناني على أن تكون هذه المنطقة تحت الاحتلال الإسرائيلي، بحيث يبدأ الانسحاب الإسرائيلي فورًا منها، ويتولى الجيش اللبناني الانتشار داخلها وممارسة السيطرة العملانية الكاملة عليها، بما يسمح بعودة السكان وإطلاق عملية إعادة الإعمار. وبعد نجاح هذه التجربة، يتم الانتقال إلى مناطق أخرى وفق آلية متدرجة تنتهي باستعادة كامل الأراضي المحتلة.

وفي موازاة ذلك، برز مفهوم المناطق المحظورة على الأعمال العدائية باعتباره ضرورة عملانية مرتبطة بمهمة الجيش اللبناني. فالمقصود بهذه المناطق ليس إنشاء وقائع جديدة أو مناطق عازلة، بل توفير بيئة أمنية مستقرة حول المنطقة التجريبية، خصوصًا أن تحرك الوحدات العسكرية وخطوط الإمداد واللوجستيات يتطلب المرور في مناطق متاخمة لها. ومن هنا جاء الاتفاق على منع أي أعمال قتالية من الطرفين داخل هذه النطاقات، بما يتيح للقوى العسكرية اللبنانية تنفيذ مهمتها بكفاءة وأمان.

وتكتسب هذه الإنجازات أهمية إضافية لأنها تضع، للمرة الأولى، خارطة طريق واضحة لتطبيق تفاهمات السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024 بصورة كاملة، أي استعادة الأراضي المحتلة بالتوازي مع استكمال بسط سلطة الدولة جنوب الليطاني. غير أن هذا المسار اصطدم برفض القوى الرافضة لهذه المقاربة، ما أدى إلى عودة التصعيد العسكري من خلال إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل، وما تبعه من قصف الضاحية الجنوبية، ومن ثم إطلاق الصواريخ الإيرانية على إسرائيل، في محاولة واضحة لربط الساحة اللبنانية بالتوترات الإقليمية الأوسع المرتبطة بالملف الإيراني وبأمن الملاحة والطاقة، إلا أن الولايات المتحدة والدول العربية المعنية أظهرت تمسكًا بفصل المسار اللبناني عن مسار إسلام آباد.

اليوم، يبدو لبنان عالقًا بين خيارين: إما العودة إلى دوامة التصعيد وربط الجنوب ومعه كل لبنان بصراعات المنطقة، وإما استكمال المسار الذي فُرض على طاولة واشنطن باعتباره الطريق الأكثر واقعية نحو تثبيت الاستقرار واستعادة الأراضي المحتلة جميعها. وبين هذين الخيارين تتواصل الضغوط السياسية والدبلوماسية، على أساس أن عامل الوقت قد يدفع في النهاية نحو فك العقد القائمة وفتح الباب أمام تنفيذ تدريجي للخارطة التي وُضعت، للمرة الأولى، بصورة عملية وواضحة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق لبنان في مسار واشنطن التفاوضي لا في “مذكرة إسلام آباد”
التالى “الحزب” يعلن عن سلسلة استهدافات