كتب ريشار حرفوش في نداء الوطن:
لا يحتاج أي نقاش يتعلق ببيروت إلى وقت طويل حتى يتحول إلى مادة انقسام سياسي، فالعاصمة، بحكم تركيبتها الديموغرافية، بقيت على الدوام خارج أي محاولة جدية لإعادة النظر في نموذج إدارتها، خشية أن يفسر أي تعديل على أنه مقدمة لمشاريع تقسيمية، إلّا أنّ الواقع الخدماتي الذي تعيشه المدينة أعاد فتح النقاش من زاوية مختلفة حول إدارة المدينة وتطوير العمل البلدي.
وفي هذا السياق، رفض النائب وضاح الصادق توصيف مشروع القانون الذي قدمه في الأيام الماضية بأنه يهدف إلى تقسيم بيروت، معتبرًا أن هذا الاتهام يقوم على “تخويف الناس” أكثر مما يستند إلى الوقائع، ومشيرًا إلى مفارقة مفادها أن القوى السياسية التي تتمسك باتفاق الطائف، الذي نص صراحة على اللامركزية الإدارية الموسعة، تعود لتعتبر أي حديث عن تنظيم إداري جديد للعاصمة مشروع تقسيم.
واستند الصادق إلى واقع قائم، يتمثل في أن بيروت مقسمة أصلا إلى دوائر انتخابية نيابية، بعدما كانت في مراحل سابقة موزعة على ثلاث دوائر، وقبلها على خمس، متسائلا: “إذا كان هذا التقسيم السياسي مقبولا، فلماذا يصبح تنظيم العمل البلدي وفق وحدات محلية تهديدًا لوحدة العاصمة”؟
وبرأيه، فإن النقطة الجوهرية لا تتعلق بالخرائط، بل بمصلحة بيروت نفسها، فالعاصمة، كما قال، تعيش منذ أكثر من ربع قرن تراجعًا مستمرًا في مستوى الإدارة والخدمات، ولم تعد قادرة على الاستمرار بالآلية الحالية، إذ حمّل المجالس البلدية المتعاقبة مسؤولية هذا الواقع، معتبرًا أن التوازن الذي كان قائمًا خلال مرحلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري تراجع تدريجيًا، وصولا إلى مجلس بلدي يصفه بالضعيف، يفتقر إلى الخبرة والقدرة على اتخاذ القرار، ولم يتمكن، بعد أكثر من عام على انتخابه، من تحقيق أي إنجاز ملموس في الملفات الأساسية، وفي مقدمها النفايات والبنية التحتية.
وكشف الصادق أنه حاول، خلال الأشهر الأولى من عمر المجلس البلدي، التعاون مع أعضائه، إلا أنه اصطدم، بحسب قوله، بجدار مسدود، لافتًا إلى أن المشكلة تكمن إما في غياب الإرادة، أو في ضعف الكفاءة، أو في العجز عن العمل، فيما بقيت الخلافات الطائفية والمناطقية تطغى على أي رؤية إنمائية شاملة للعاصمة.
وانطلاقًا من هذا الواقع، طرح الصادق مشروعًا يقوم على إنشاء أربعة مجالس بلدية محلية، مع تأكيده أن العدد يبقى قابلا للنقاش، سواء كان ثلاثة أو خمسة أو ستة، في إطار الدراسات القانونية والمشاورات مع الجمعيات الأهلية وأبناء بيروت، على أن تتولى هذه المجالس إدارة الشؤون اليومية لكل منطقة، من صيانة الأرصفة والطرقات، والتشجير، ومكافحة الحشرات، والنظافة، ومعالجة المخالفات، بما يجعل المحاسبة أقرب إلى المواطن وأكثر فاعلية.
وفي المقابل، اقترح إنشاء مجلس بلدي مركزي يضم ممثلين عن المجالس المحلية، ويتولى إدارة الملفات المشتركة التي تخص العاصمة بأكملها، من البنية التحتية إلى النفايات والكهرباء والمياه وسائر المشاريع الكبرى، مع الإبقاء على منصب المحافظ، ولكن بصلاحيات أقل، انسجامًا مع مشروع اللامركزية الإدارية الذي سبق أن أعده الوزير السابق زياد بارود، مؤكدًا أن هذه الصيغة لا تعني تقسيم بيروت، بل إعادة تنظيم إدارتها بما يحافظ على وحدتها ويعزز كفاءة العمل البلدي.
في المقابل، وضع الباحث في شؤون اللامركزية، الدكتور إيليا إيليا، النقاش في إطاره الأكاديمي والقانوني، معتبرًا أن استخدام عبارة “تقسيم بيروت” لا يعكس حقيقة ما يطرح، بل يستحضر دلالات سياسية وتاريخية ارتبطت بمرحلة مؤلمة من تاريخ لبنان، فيما المطلوب هو الحديث عن إعادة تنظيم إداري للعاصمة أو إعادة هيكلة وحداتها بما ينسجم مع فلسفة اللامركزية الإدارية والإنمائية.
وأشار إلى أن بيروت ليست مدينة متجانسة عمرانيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا، بل تضم أحياء نشأت في ظروف تاريخية مختلفة، واكتسب كل منها خصوصيته العمرانية والثقافية والديموغرافية، من الأشرفية ورأس بيروت إلى المزرعة والمصيطبة والمدور وزقاق البلاط وغيرها، ومن هنا، فإن الاعتراف بهذه الخصوصيات عبر وحدات إدارية أكثر ملاءمة لا يعني تفكيك العاصمة، بل إدارة هذا التنوع بصورة أكثر فعالية وعدالة.
واستند إيليا إلى مشروع “اللامركزية الإنمائية الموسعة وتطبيقها في لبنان” الذي أعده تجمع “لبنانيون من أجل الكيان”، موضحًا أن المشروع انطلق من قناعة بأن المركزية المفرطة أثبتت محدوديتها في إدارة التعددية اللبنانية وتحقيق التنمية المتوازنة، ولذلك يقترح إعادة تنظيم العاصمة ضمن وحدات إدارية متجانسة وظيفيًا، تتولى إدارة الشؤون المحلية والإنمائية، مع بقاء بيروت عاصمة واحدة موحدة سياسيًا وإداريًا ضمن الدولة اللبنانية.
وأضاف: “إعادة التنظيم المقترحة تستند إلى معايير موضوعية، أبرزها الامتداد الجغرافي، والكتلة السكانية، والهوية التاريخية، والترابط الاجتماعي والاقتصادي، بعيدًا من أي اعتبارات طائفية أو مذهبية، وتهدف إلى توسيع المشاركة المحلية، وتحسين نوعية الخدمات العامة، وتعزيز المساءلة، وإشراك مختلف مكونات العاصمة في إدارة التنمية المحلية، بما يعكس حقيقة بيروت بوصفها نموذجًا للتعددية اللبنانية”.
وخلص في حديثه لـ”نداء الوطن” إلى أن تحديث الإدارة العامة لا يعني إعادة رسم الحدود السياسية أو الطائفية، فالعاصمة تبقى واحدة، لكن الإدارة تصبح أكثر قربًا من المواطنين.
إذًا، بالمختصر، السجال لا يتعلق بوحدة بيروت، بقدر ما يتعلق بكيفية إدارة هذه المدينة، وما إذا كان تطوير الإدارة المحلية يشكل مدخلًا إلى إنماء أكثر عدالة وكفاءة، أم يبقى أسير الهواجس السياسية.



