بركة واشنطن تتجلّى في روما

بركة واشنطن تتجلّى في روما
بركة واشنطن تتجلّى في روما

كتب ألان سركيس في “نداء الوطن”:

سقطت عمليًا كل محاولات الإيحاء بأن “صيغة الإطار” التي وُضعت في واشنطن مجرد ورقة قابلة للتجميد أو المساومة. فالدولة اللبنانية انتقلت من مرحلة تثبيت المبادئ إلى مرحلة التنفيذ ولو المتدرج، وما يجري التحضير له في روما ليس اجتماعًا روتينيًّا، بل أول اختبار عملي للمسار الذي اختاره رئيس الجمهورية جوزاف عون، رغم الاعتراضات الداخلية ومحاولات التشويش.

حين ترسل الدولة وفدًا يضم سياسيين وعسكريين إلى طاولة واحدة مع الإسرائيليين، تصبح الوقائع أقوى من كل البيانات، وتتحول المفاوضات إلى خيار لا رجعة عنه. وتؤكد بعبدا أن الرئيس عون متمسك إلى أبعد الحدود باتفاق الإطار الذي وُقع في واشنطن، ويعتبر أن أي تراجع عنه يعني إعادة لبنان إلى نقطة الصفر، وإسقاط الفرصة الوحيدة المتاحة لإخراج الجنوب من دوامة الاستنزاف العسكري. ولو لم يكن هذا الالتزام قائمًا، لما اتخذ قرار إرسال وفد رسمي إلى روما للتفاوض مع إسرائيل خلال الأيام 4 و5 و6 آب، في خطوة تؤكد أن الدولة اختارت استكمال المسار الذي انطلق في العاصمة الأميركية.

وفي موازاة ذلك، يكرر عون في العلن أن كل خطواته منسقة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، حفاظًا على الحد الأدنى من التماسك الداخلي. إلا أن بري يقف أمام معادلة شديدة التعقيد، فهو يدرك أن المفاوضات أصبحت أمرًا واقعًا، لكنه في الوقت نفسه يواجه حرجًا كبيرًا أمام “حزب الله” والبيئة الشيعية المؤيدة له، الأمر الذي يفسّر محاولاته المتكررة للتنصل من بعض تفاصيل هذا المسار، أو إظهار نفسه بعيدًا عن مسؤولية الخيارات التي تتخذها الدولة، رغم استمرار التنسيق مع رئيس الجمهورية.

وتكشف معلومات “نداء الوطن” أن اجتماعات روما ستنطلق بصيغة مشتركة تجمع الوفدين السياسي والعسكري، قبل أن تنقسم إلى مسارين منفصلين، أحدهما سياسي والآخر عسكري، بما يسمح بمعالجة الملفات وفق اختصاص كل فريق. وتشير المعلومات إلى أن تعليمات الرئيس عون للوفد اللبناني حاسمة وهي إعطاء الأولوية الكاملة للشق الأمني، والضغط لإلزام إسرائيل بتنفيذ تعهداتها، وفي مقدمها الانسحاب من النقاط التي لا تزال تحتلها، ووقف عمليات النسف والتدمير والخروقات المتواصلة. لذلك سيستحوذ الملف الأمني على الجزء الأكبر من المفاوضات، باعتباره مفتاح أي تقدم لاحق في بقية الملفات.

ولا يمكن قراءة جولة روما بمعزل عن الحركة الدبلوماسية التي سبقتها. فزيارة عون إلى واشنطن ولقاؤه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ثم انتقاله إلى أنقرة ولقاؤه الرئيس رجب طيب أردوغان، لم يكونا مجرد محطتين بروتوكوليتين، بل وضعا لبنان مجددًا في صلب الاهتمام الدولي والإقليمي، بعدما باتت العواصم المؤثرة تتعامل مع استقراره باعتباره جزءًا من إعادة رسم توازنات الشرق الأوسط، لا ملفًا هامشيًا يمكن تأجيله.

ويبدو واضحًا أن رئيس الجمهورية يراهن على نجاح هذا المسار، لأنه يدرك أن البديل ليس العودة إلى ما قبل اتفاق واشنطن، بل الانزلاق إلى حرب جديدة لن توفر أحدًا. فلبنان المنهك اقتصاديًا وماليًا واجتماعيًا لن يحتمل مواجهة جديدة، وأي انهيار أمني ستكون كلفته مضاعفة على الدولة والناس معًا.

لهذا السبب، لا تبدو روما مجرد محطة تفاوضية، بل محطة مفصلية ستحدد اتجاه المرحلة المقبلة. فإذا نجحت الدولة في تثبيت التزاماتها الأمنية وانتزاع تنفيذ التعهدات الإسرائيلية، تكون قد فتحت الباب أمام مرحلة مختلفة. أما إذا سقطت المفاوضات تحت ضغط الحسابات الداخلية أو محاولات التعطيل، فإن لبنان سيجد نفسه مجددًا أمام شبح التصعيد، في وقت لم يعد فيه العالم مستعدًا لتمويل الحروب أو تغطية من يعرقل فرص الاستقرار.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق سنوات من الحفر… كيف بنى “الحزب” جمهوريته السرية؟
التالى عون يفتح نافذة لبنان في قلب القرار الأميركي