أخبار عاجلة

تفجير مرفأ بيروت: بين تعطيل العدالة ومسؤولية كشف الحقيقة

تفجير مرفأ بيروت: بين تعطيل العدالة ومسؤولية كشف الحقيقة
تفجير مرفأ بيروت: بين تعطيل العدالة ومسؤولية كشف الحقيقة

كتب الدكتور دريد بشرّاوي “نداء الوطن”:

تُعتبر جريمة تفجير مرفأ بيروت التي هزّت الضمير اللبناني والعربي والدولي من أبشع وأخطر الجرائم التي شهدها العصر الحديث، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، بل في العالم بأسره. فهي جريمة ذات أبعاد إنسانية وقانونية غير مسبوقة، نظراً لحجم الخسائر البشرية والمادية التي خلفتها، وللظروف الغامضة التي أحاطت بإدخال وتخزين مادة نيترات الأمونيوم في العنبر رقم 12، وصولاً إلى وقوع الانفجار الكارثي الذي أودى بحياة المئات وأصاب الآلاف ودمّر جزءاً واسعاً من العاصمة اللبنانية.

ومن دون استباق نتائج التحقيقات أو إطلاق أحكام نهائية قبل انتهاء المسار القضائي، فإن طبيعة هذه الجريمة وخطورتها تفرضان مقاربتها من زاوية المسؤولية الجنائية وليس فقط من زاوية الإهمال الإداري أو التقصير الوظيفي. فالمسألة لا تتعلق فقط بمعرفة من أخطأ أو أهمل، بل بكشف كامل سلسلة الأفعال والامتناعات التي أدت إلى إبقاء مواد شديدة الخطورة في مكان مأهول رغم المخاطر المعروفة التي كانت تحيط بها.

وتطرح هذه الجريمة أيضاً إشكالية قانونية دولية، إذ إن حجمها وطبيعة نتائجها يثيران مسألة انطباق مفهوم الجرائم ضد الإنسانية وفق المعايير المنصوص عليها في المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما لجهة وقوعها ضمن إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين.

وعليه، فإن السؤال الأساسي الذي لا يزال مطروحاً بعد مرور سنوات على هذه الكارثة هو: لماذا لم يتمكن القضاء اللبناني حتى اليوم من كشف الحقيقة الكاملة وتحديد جميع المسؤوليات؟ وهل يؤدي استمرار تعطيل التحقيق إلى تكريس واقع جديد من الإفلات من العقاب؟

أولاً: التحقيق اللبناني بين البحث عن الحقيقة وإشكالية تحديد المسؤوليات

مرت ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت من دون أن يتمكن القضاء اللبناني من الوصول إلى الحقيقة الكاملة أو إصدار القرار القضائي الذي ينتظره أهالي الضحايا والرأي العام اللبناني. وفي حين كانت الوعود السياسية الأولى تؤكد أن الحقيقة ستظهر خلال أيام قليلة، تحولت هذه الوعود مع مرور الوقت إلى خيبة أمل عميقة لدى عائلات الضحايا التي ما زالت تنتظر معرفة من تسبب بهذه الكارثة ولماذا حصلت.

ولا يمكن، بطبيعة الحال، إطلاق أحكام عشوائية على تحقيقات يفترض بها أن تبقى سرية، كما لا يجوز لأي جهة أن تستبدل عمل القضاء بإصدار اتهامات مسبقة. إلا أن ذلك لا يمنع من طرح تساؤلات قانونية مشروعة حول مسار التحقيق، وحول ما إذا كان قد أعطى الأولوية المطلوبة للجانب الجنائي في قضية بهذه الخطورة.

فكان يفترض، منذ البداية، أن ينطلق التحقيق من نقطة دخول السفينة “روسوس” إلى مرفأ بيروت محملة بمادة نيترات الأمونيوم القابلة للانفجار، وأن يتتبع كامل المسار الذي أدى إلى بقائها سنوات في العنبر رقم 12 رغم خطورتها، وصولاً إلى لحظة وقوع الانفجار.

وكان من الضروري تحديد هوية الجهة أو الجهات، والشخص أو الأشخاص الذين أدخلوا هذه المواد عمداً إلى لبنان، والذين سهّلوا إدخالها بفعل إيجابي أو نتيجة الامتناع عن القيام بما يفرضه عليهم القانون لمنع وقوع الخطر.

كما كان يتوجب على التحقيقات أن تكشف هوية كل من كان على علم بوجود هذه المواد وبخطورتها، وكل من امتلك القدرة القانونية أو الوظيفية على اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الكارثة ولم يفعل، إضافة إلى تحديد الغاية الحقيقية من إدخال هذه المواد وتخزينها في المرفأ.

إن التركيز على المسؤولية الجنائية لا يعني تجاهل المسؤوليات الناتجة عن الإهمال أو التقصير، إذ إن هذه الأخيرة قد تشكل بدورها أفعالاً جرمية يعاقب عليها القانون. إلا أن خطورة القضية تفرض عدم اختزالها في مجرد أخطاء إدارية أو مخالفات وظيفية، لأن المطلوب هو تحديد كامل سلسلة المسؤوليات، أياً كانت طبيعتها أو مرتبة الأشخاص المعنيين.

ومن هنا، فإن العدالة تقتضي اعتماد معيار واحد تجاه جميع الأشخاص الذين تحوم حولهم شبهات جدية، بحيث لا يتم الاقتصار على ملاحقة بعض المسؤولين دون غيرهم، ولا استبعاد أي شخص يمكن أن تكون لديه معلومات أساسية أو مسؤولية محتملة في هذه القضية.

وفي هذا الإطار، يبرز تساؤل مشروع حول مدى شمول التحقيق لجميع الأشخاص الذين كان يمكن أن يساهم الاستماع إليهم في كشف الحقيقة، سواء من المسؤولين السياسيين أو الإداريين أو الأمنيين الذين مارسوا مهامهم منذ دخول السفينة “روسوس” إلى مرفأ بيروت وحتى وقوع الانفجار.

فليس الهدف من التحقيق الجنائي إدانة أشخاص محددين مسبقاً، بل تحديد الوقائع، وجمع الأدلة، وربط المسؤوليات بالأفعال أو الامتناعات التي يثبت ارتكابها وفقاً للقانون.

ومن هنا أيضاً تبرز أهمية مبدأ المساواة أمام القانون، إذ لا يمكن أن تكون العدالة فعالة إذا شعر الرأي العام بأن معايير مختلفة تُطبق على أشخاص مختلفين، أو أن بعض المسؤوليات يتم البحث فيها بينما تبقى مسؤوليات أخرى خارج دائرة التحقيق.

إن كشف الحقيقة في جريمة بهذا الحجم لا يحتمل التجزئة، لأن العدالة الجزئية قد تؤدي عملياً إلى نتيجة خطيرة تتمثل في تكريس جزء من الحقيقة وإخفاء الجزء الآخر، بما يفتح الباب أمام استمرار الإفلات من العقاب.

ثانياً: تعطيل التحقيق وأزمة القرار الاتهامي: بين التعقيدات الإجرائية وضرورة تحقيق العدالة ووضع حد للإفلات من العقاب

إن استقلال القضاء يشكل إحدى الركائز الأساسية لدولة القانون، ولا يمكن تصور تحقيق العدالة من دون قضاء مستقل قادر على ممارسة صلاحياته بعيداً عن أي تأثير أو ضغط. غير أن استقلال القضاء لا يعني فقط حمايته من التدخلات الخارجية، بل يفترض أيضاً قدرته على القيام بدوره كاملاً وفعّالاً، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بجريمة بهذا الحجم وبهذه الخطورة.

وقد أدى المسار القضائي الذي اتخذه ملف تفجير مرفأ بيروت إلى إشكاليات قانونية وإجرائية معقدة، تمثلت خصوصاً في تعدد طلبات الرد والتنحي ونقل الدعوى، وفي الخلافات التي نشأت حول صلاحيات المحقق العدلي، الأمر الذي أدى عملياً وعمدياً إلى تعطيل التحقيق لفترات طويلة ومنع الانتقال إلى المرحلة التي ينتظرها اللبنانيون، أي مرحلة تحديد المسؤوليات وإصدار القرار القضائي المناسب.

ولم يعد التعطيل مقتصراً على مرحلة طلبات الرد والتنحي والدفوع الإجرائية التي شلت التحقيق لسنوات، بل امتد إلى المرحلة الأخيرة من مساره. فقد أحال المحقق العدلي ملف التحقيق إلى النيابة العامة التمييزية في أوائل شهر آذار/مارس 2026 لإبداء مطالعتها قبل إصدار القرار الاتهامي، إلا أن هذه المطالعة لم تُنجز ولم تُعد إلى المحقق العدلي حتى تاريخه. ومهما تكن الأسباب القانونية أو الإدارية التي حالت دون إنجازها، فإن النتيجة العملية واحدة، وهي استمرار تجميد الملف وتأخير الانتقال إلى مرحلة إصدار القرار الاتهامي، بما ينعكس سلباً على حق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة ضمن مهلة معقولة، ويطيل أمد الإفلات من العقاب. وفي القضايا ذات الطابع الاستثنائي، لا يُقاس احترام مبدأ استقلال القضاء فقط بعدم التدخل في عمله، وإنما أيضاً بقدرته على ممارسة اختصاصه كاملاً، وإنجاز الإجراءات المطلوبة ضمن مهلة معقولة، بما يحول دون تحول البطء القضائي، أياً كان مصدره، إلى سبب مستقل لإنكار العدالة.

وبغض النظر عن المواقف القانونية المتعارضة التي ظهرت حول هذه المسائل، وعن مدى صحة كل اجتهاد أو تفسير قانوني، فإن النتيجة العملية التي ترتبت على هذا المسار كانت استمرار حالة الجمود في الملف، وهو أمر يثير قلقاً مشروعاً، خصوصاً بالنسبة إلى أهالي الضحايا الذين ينتظرون منذ سنوات كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.

ولا خلاف على أن ممارسة حقوق الدفاع وتقديم طلبات الرد والتنحي والدفوع الشكلية تشكل ضمانات أساسية للمحاكمة العادلة، غير أن هذه الضمانات تفقد الغاية التي شرعت من أجلها عندما تتحول، بفعل تكرارها أو سوء استعمالها، إلى وسيلة تؤدي عملياً إلى شل التحقيق وتعطيل سير العدالة لسنوات. فالحق في التقاضي لا يجوز أن يتحول إلى أداة لإنكار العدالة أو لإفراغها من مضمونها.

فالعدالة لا تتحقق فقط عبر احترام الأصول والإجراءات، بل أيضاً عبر قدرة النظام القضائي على الوصول إلى نتيجة خلال مدة زمنية معقولة. ذلك أن الإجراءات القانونية وُضعت لضمان حسن سير العدالة، وليس لتتحول إلى عائق دائم يحول دون الوصول إليها.

إشكالية الادعاءات والتوقيفات وضرورة اعتماد معايير موحدة

إلى جانب مسألة تعطيل التحقيق، تبرز إشكالية أخرى تتعلق بمعايير تحديد المسؤوليات الجزائية في هذه القضية.

ففي الجرائم الكبرى التي تتعدد فيها مستويات المسؤولية، يجب أن يستند التحقيق إلى معايير موضوعية وموحدة، وأن يشمل كل شخص تتوافر بشأنه عناصر أو شبهات جدية تستوجب التحقيق معه، سواء بصفة مدعى عليه أو شاهد، بعيداً عن أي انتقائية أو استثناء.

ولا يعني ذلك إطلاق أحكام مسبقة على أي شخص، أو افتراض مسؤوليته قبل انتهاء التحقيق، بل يعني أن واجب التحقيق يقتضي الاستماع إلى جميع من يمكن أن تساهم إفاداتهم أو أدوارهم أو معلوماتهم في كشف الحقيقة.

وفي هذا الإطار، يبرز تساؤل مشروع حول عدم استدعاء بعض القادة والرؤساء والمسؤولين في الدولة الذين كانت لديهم، بحكم مواقعهم أو مسؤولياتهم السياسية والادارية والأمنية، إمكانية الاطلاع على وجود المواد الخطرة أو على مسار إدخالها وتخزينها أو على التدابير التي كان يمكن اتخاذها لمنع وقوع الكارثة.

في هذا الإطار، يثير مسار التحقيق تساؤلاً قانونياً بالغ الأهمية حول مدى شموليته في تحديد المسؤوليات. فمنذ انطلاق التحقيق، لم يشمل الاستماع إلى عدد من كبار المسؤولين الذين تعاقبوا على رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، أو تولوا قيادة الأجهزة الأمنية والعسكرية والإدارات المعنية خلال الفترة الممتدة من دخول سفينة «روسوس» إلى مرفأ بيروت وحتى وقوع الانفجار. ولا يعني ذلك افتراض مسؤولية أي منهم، إذ إن المسؤولية الجزائية لا تقوم إلا على الأدلة، وإنما يفرض واجب البحث عن الحقيقة الاستماع إلى كل من يحتمل أن تكون لديه معلومات أو معطيات ذات صلة بالجريمة. فالتحقيق الجنائي الشامل لا يبنى على الانتقائية، بل على استنفاد جميع وسائل الإثبات التي تمكن القضاء من إعادة تكوين الوقائع وتحديد المسؤوليات على أساس موضوعي، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو وظيفية.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة إلى رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال عون، الذي أعلن في أكثر من مناسبة أنه كان على علم بوجود مادة نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت قبل وقوع الانفجار. وبصرف النظر عن أي تقييم لمسؤوليته الجزائية، فإن هذا الإقرار العلني كان يفرض، وفق المبادئ العامة للتحقيق الجنائي، الاستماع إليه على الأقل بصفته شخصاً يملك معلومات ذات صلة مباشرة بموضوع التحقيق، لأن وظيفة المحقق العدلي تقتضي جمع الأدلة من جميع المصادر الممكنة قبل تكوين قناعته النهائية. ولا يشكل الاستماع إلى أي مسؤول، مهما كان موقعه، قرينة على مسؤوليته، بل هو إجراء تحقيق طبيعي تفرضه مقتضيات البحث عن الحقيقة ومبدأ المساواة أمام القانون.

كما أن تحديد المسؤولية الجنائية لا يقتصر على من قام بفعل إيجابي، بل يشمل أيضاً من امتنع، رغم علمه بالخطر وقدرته القانونية أو الوظيفية، عن اتخاذ الإجراءات التي كان يفرضها عليه القانون.

ومن هنا، فإن العدالة تقتضي أن تشمل التحقيقات كل من قد تكشف الوقائع والأدلة عن وجود مسؤولية محتملة بحقه، أياً كانت صفته أو موقعه، لأن خطورة الجريمة لا تسمح باعتماد مقاربة جزئية أو انتقائية في تحديد المسؤوليات.

مسؤولية المحقق العدلي وضرورة استكمال التحقيقات

إن قاضي التحقيق العدلي، بمجرد وضع يده على الملف وفقاً للأصول القانونية، يتحمل مسؤولية إجراء التحقيقات اللازمة لكشف الحقيقة، بما يشمل الاستماع إلى الشهود، واستجواب المدعى عليهم، واتخاذ الإجراءات التي يفرضها القانون، وصولاً إلى إصدار القرار المناسب في نهاية التحقيق.

فإما أن يصدر قراراً اتهامياً يحيل بموجبه من تتوافر بحقهم الأدلة الكافية إلى المجلس العدلي، أو أن يصدر قراراً بمنع المحاكمة عندما لا تتوافر العناصر القانونية اللازمة.

وبما أن المحقق العدلي قد تمسك باختصاصه القانوني، واستند إلى دراسة قانونية اعتبرت أن النصوص المتعلقة برد القضاة لا تنطبق على المحقق العدلي في ظل عدم وجود نص صريح يجيز رده أو تنحيته، فإنه كان يفترض، استناداً إلى هذا الموقف، أن يستكمل التحقيقات وأن يصدر القرارات المتوجبة، وفي مقدمها القرار الاتهامي.

وبغض النظر عن مدى صحة هذا الاجتهاد أو عن الرأي القانوني المقابل له، فإن استمرار النزاع الإجرائي لا ينبغي أن يؤدي عملياً إلى بقاء الملف معلقاً من دون حسم، لأن الهدف من القضاء هو الوصول إلى العدالة وليس إبقاء النزاع حول الإجراءات مفتوحاً إلى ما لا نهاية.

فالمطلوب ليس تجاوز القانون أو تجاهل الضمانات الإجرائية، بل إيجاد التوازن الصحيح بين احترام حقوق الدفاع من جهة، وضمان فعالية التحقيق وعدم تحول الإجراءات إلى وسيلة تؤدي إلى تعطيل العدالة من جهة أخرى.

بين التأخير القضائي والحق في تحقيق العدالة ضمن مهلة معقولة

إن العدالة لا تُقاس فقط بوجود إجراءات قضائية شكلية، بل بقدرة القضاء على الوصول إلى الحقيقة واتخاذ القرارات المناسبة ضمن فترة زمنية معقولة تحفظ حقوق الضحايا وتصون ثقة المجتمع بالقانون. فالتأخير غير المبرر في معالجة الجرائم الكبرى لا يؤدي فقط إلى إطالة معاناة المتضررين، بل قد يحوّل مرور الزمن إلى عامل يهدد فعالية العدالة نفسها ويضعف إمكانية الوصول إلى الحقيقة.

وقد كرّست المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان هذا المبدأ باعتباره أحد الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة ولحسن سير العدالة. فقد نصت المادة 6/1 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على حق كل شخص في أن تُنظر قضيته خلال “مهلة معقولة” أمام محكمة مستقلة ومحايدة، كما أكدت المادة 14/3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ضرورة احترام ضمانات المحاكمة العادلة ومن ضمنها عدم إبقاء القضايا دون حسم لفترات غير مبررة.

كذلك كرّست المادة 8/1 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان والمادة 7/1 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب المبدأ ذاته، بما يعكس وجود قاعدة دولية مشتركة مفادها أن العدالة التي تتأخر إلى حد يفقدها فعاليتها قد ترقى عملياً إلى إنكار للعدالة.

ولا يعني احترام هذا المبدأ مطالبة القضاء بالتسرع أو إصدار قرارات غير مكتملة، لأن العدالة تتطلب تحقيقاً دقيقاً واحتراماً كاملاً لحقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة. غير أن احترام هذه الضمانات لا يمكن أن يتحول إلى سبب لإبقاء التحقيقات مفتوحة إلى أجل غير محدد، أو إلى وسيلة تؤدي عملياً إلى تعطيل الوصول إلى الحقيقة.

ومن هنا، فإن استمرار التحقيق في جريمة تفجير مرفأ بيروت لسنوات طويلة من دون الوصول إلى مرحلة القرار الاتهامي يثير تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة النظام القضائي على تحقيق العدالة ضمن إطار زمني مقبول، خصوصاً وأن الأمر يتعلق بجريمة ذات أبعاد استثنائية خلّفت مئات الضحايا وآلاف المتضررين وأثرت بصورة عميقة على ثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي بمؤسسات الدولة.

إن المسؤولية الأساسية تبقى على عاتق القضاء اللبناني في استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات، إلا أن استمرار الجمود في هذا الملف يجعل من الضروري التأكيد على أن العدالة الفعالة لا تقتصر على إعلان الحقائق، بل تتطلب أيضاً إجراءات عملية تؤدي إلى محاسبة المسؤولين وفق الأصول القانونية.

فالمطلوب اليوم ليس تجاوز القانون أو المساس باستقلال القضاء، بل تمكين القضاء من ممارسة دوره كاملاً، وإزالة العوائق التي تحول دون صدور القرار القضائي المناسب، بما يضمن تحقيق العدالة ووضع حد للإفلات من العقاب.

ثالثاً: جريمة تفجير المرفأ والعدالة الدولية: من المحكمة الجنائية الدولية إلى الاختصاص العالمي

إذا كان الأصل أن يتولى القضاء اللبناني مسؤولية كشف حقيقة جريمة تفجير مرفأ بيروت وملاحقة المسؤولين عنها، فإن استمرار التعثر في التحقيق، وعدم الوصول إلى قرار قضائي نهائي بعد سنوات طويلة، يطرح بصورة جدية مسألة البحث عن آليات قانونية دولية يمكن أن تساهم في تحقيق العدالة ووضع حد للإفلات من العقاب.

فخطورة هذه الجريمة لا ترتبط فقط بعدد الضحايا وحجم الدمار الذي خلفته، بل أيضاً بطبيعتها وبالظروف التي أدت إلى وقوعها، وبكونها مست مجموعة واسعة من المدنيين وألحقت أضراراً جسيمة بالعاصمة اللبنانية ومؤسساتها وسكانها.

جريمة تفجير المرفأ كجريمة ضد الإنسانية

تُعتبر جريمة تفجير مرفأ بيروت، وفقاً لمعايير القانون الجنائي الدولي، من الجرائم التي يمكن بحث مدى انطباق وصف الجريمة ضد الإنسانية عليها، وفقاً لأحكام المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (نظام روما).

فالجريمة ضد الإنسانية لا ترتبط فقط بالنتيجة المادية للفعل المرتكب، وإنما تتطلب توافر عناصر محددة، ولا سيما أن يكون الفعل جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد مجموعة من السكان المدنيين، مع توافر العلم بهذا الهجوم أو قبول نتائجه.

وفي هذا الإطار، فإن الاجتهادات الدولية أكدت أن المسؤولية الجنائية الدولية قد تقوم حتى عندما لا يكون الفاعل قد قصد بصورة مباشرة النتيجة النهائية، متى كان يعلم أو كان ينبغي له أن يعلم بأن أفعاله أو امتناعاته قد تؤدي إلى نتائج كارثية، وقبل رغم ذلك تحمل هذه المخاطرة.

وقد كرست المحاكم الجنائية الدولية هذا المفهوم في عدد من القضايا، ومنها قضايا Tadić و Blaškić و Akayesu، حيث تم التأكيد على أهمية عنصر العلم بالنتائج المحتملة وقبول المخاطر الناجمة عن السلوك الإجرامي.

وبناءً عليه، فإن كل من يثبت أنه كان يعلم بوجود هذه المواد الخطرة، أو ساهم في إدخالها أو تسهيل تخزينها أو امتنع عمداً عن اتخاذ التدابير التي يفرضها القانون لمنع وقوع الكارثة، يمكن أن تثار بحقه مسؤولية جنائية بجناية ضد الانسانية وفقاً للقواعد العامة للمساهمة الجنائية، وذلك أياً كانت صفته أو موقعه الوظيفي أو السياسي.

ولا تحول الحصانات أو المراكز الرسمية، بحد ذاتها، دون البحث في المسؤولية الجنائية عندما تتعلق المسألة بجرائم بالغة الخطورة كالجناية ضد الانسانية تدخل ضمن نطاق القانون الجنائي الدولي.

المحكمة الجنائية الدولية: إمكانية قانونية تصطدم بالواقع السياسي

رغم الطبيعة الدولية التي قد تكتسبها هذه الجريمة، فإن إحالتها إلى المحكمة الجنائية الدولية تواجه عقبات قانونية وسياسية.

ذلك أن لبنان ليس دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، وبالتالي لا تختص المحكمة الجنائية الدولية بالنظر في هذه الجريمة إلا وفق الطرق التي يحددها النظام الأساسي.

ومن بين هذه الطرق إمكانية إحالة الوضع إلى المحكمة من قبل مجلس الأمن الدولي عملاً بأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إذا اعتبر أن الجريمة تهدد السلم والأمن الدوليين. إلا أن هذا الخيار يبقى صعب التحقيق في ظل الاعتبارات السياسية الدولية، وإمكان استخدام حق النقض من قبل إحدى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

غير أن نظام روما يفتح طريقاً قانونياً آخر، إذ تنص المادة 12/3 منه على إمكانية ممارسة المحكمة لاختصاصها إذا قبلت دولة غير طرف اختصاص المحكمة من خلال إعلان يودع لدى مسجل المحكمة.

وبالتالي، يمكن للحكومة اللبنانية، من الناحية القانونية، أن تقبل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالنسبة إلى جريمة تفجير مرفأ بيروت وحدها، كما فعلت دول أخرى في حالات معينة، وأن يلتزم بالتعاون معها في التحقيق والملاحقة.

إلا أن تحقيق هذا الخيار يبقى مرتبطاً بالإرادة السياسية اللبنانية، وهي إرادة قد تواجه صعوبات كبيرة في ظل الانقسامات الداخلية وتعقيدات المشهد السياسي.

الاختصاص العالمي: طريق قانوني متاح لتحقيق العدالة

في حال تعذر الوصول إلى حل على المستوى الوطني، وفي حال عدم اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية، يبقى الاختصاص العالمي أو الصلاحية العالمية (Compétence universelle) أحد المسارات القانونية الممكنة أمام ذوي الضحايا.

ويقصد بالاختصاص العالمي صلاحية بعض الدول في ملاحقة ومحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة، مثل الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة، بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة أو جنسية مرتكبيها أو جنسية الضحايا.

وهذا يعني أن بعض المحاكم الوطنية يمكنها، ضمن الشروط التي يحددها قانونها الداخلي، أن تنظر في جرائم دولية ارتكبت خارج إقليمها، حتى عندما لا يكون الفاعل أو الضحية من مواطنيها.

وقد اعتمد عدد من الدول هذا المبدأ، ومن بينها فرنسا، التي نص قانونها على إمكانية ممارسة هذا النوع من الاختصاص في حالات محددة بموجب أحكام المادة 689 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

كما عرف التاريخ القضائي الدولي تطبيقات بارزة للاختصاص العالمي، ومنها محاكمة أدولف أيخمان أمام القضاء الإسرائيلي عن جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، وقضية الجنرال أوغستو بينوشيه الذي أوقف في بريطانيا بناءً على مذكرة توقيف صادرة عن القضاء الإسباني بتهم تتعلق بجرائم دولية خطيرة.

ويُطبق هذا الاختصاص أيضاً في عدد من الدول الأوروبية، ولا سيما تلك التي طورت تشريعاتها لملاحقة الجرائم الدولية، ومنها بلجيكا وألمانيا وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا.

غير أن اللجوء إلى القضاء الدولي أو القضاء الوطني الأجنبي لا ينبغي أن يُفهم على أنه انتقاص من دور القضاء اللبناني، بل هو نتيجة محتملة عندما يعجز القضاء الوطني عن القيام بالمهمة الأساسية الملقاة على عاتقه، وهي كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.

خاتمة: العدالة وحدها القادرة على إغلاق جرح المرفأ

ان جريمة تفجير مرفأ بيروت ليست مجرد ملف قضائي مؤجل، بل هي امتحان حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على إخضاع جميع المسؤولين، مهما علت مواقعهم، لسلطان القانون. فالعدالة لا تعرف الانتقائية، ولا تستقيم إذا بقيت بعض المسؤوليات خارج دائرة البحث، أو إذا تحولت الإجراءات القانونية إلى وسائل تؤدي عملياً إلى تعطيل التحقيق واستنزاف الزمن القضائي. والحقيقة لا تتجزأ، لأن الحقيقة الناقصة ليست حقيقة، والعدالة التي تستثني بعض الوقائع أو بعض الأشخاص من التحقيق ليست عدالة مكتملة. لذلك، فإن استكمال التحقيق، والاستماع إلى جميع من قد تكون لديهم مسؤولية أو معلومات جوهرية، وإصدار القرار الاتهامي ضمن مهلة معقولة، لم يعد مجرد التزام قانوني، بل أصبح واجباً وطنياً وأخلاقياً تجاه الضحايا وذويهم، وتجاه المجتمع اللبناني بأسره. وإذا استمر تعذر الوصول إلى الحقيقة الكاملة بسبب العراقيل التي تعوق عمل القضاء الوطني، فإن اللجوء إلى الآليات التي يتيحها القانون الجنائي الدولي لن يكون انتقاصاً من السيادة، بل تجسيداً لمبدأ قانوني راسخ مؤداه أن العدالة لا يجوز أن تبقى رهينة التعطيل، وأن الإفلات من العقاب لا يمكن أن يكون بديلاً عن العدالة، ولا أن يتحول إلى قاعدة في دولة تدّعي احترام سيادة القانون.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق اتفاق الإطار يترنّح… متى يسقط؟
التالى عون يفتح نافذة لبنان في قلب القرار الأميركي