كتب سامر زريق في «نداء الوطن» أن جنوب لبنان شهد خلال اليومين الأخيرين تصعيداً واسعاً أعاد البلاد إلى أجواء الحرب والنزوح، مع رفع إسرائيل وتيرة استهدافاتها وتوسيع نطاقها وشن غارات عنيفة أدت إلى سقوط مزيد من الضحايا، بذريعة المسيرات التي أطلقها «حزب الله».
وأشار إلى أن الحزب شن، خلال الأسبوع الممتد من 31 آب إلى 6 أيلول، هجمات بمسيرات انتحارية على القوات الإسرائيلية من دون نتائج تذكر. واعتبر أن الهدف كان التغطية على سقوط مرتفعات «علي الطاهر»، وتوجيه رسالة ميدانية مفادها أن السيطرة الإسرائيلية لا تمنع الحزب من استهداف القوات الإسرائيلية.
لكن الكاتب رأى أن هذه المسيرات منحت حكومة بنيامين نتنياهو الغطاء لتنفيذ مزيد من الاعتداءات، والإمعان في تدمير المباني وتجريف الأراضي، ورفع الكلفة الديموغرافية والجغرافية لأي عمل حربي، ضمن استراتيجية «الرد غير المتناسب» التي تتبناها إسرائيل لفرض معادلة ردع جديدة.
وطرح زريق أسئلة حول الجدوى العسكرية والأمنية والسياسية للمسيرات، وعن سبب الإصرار على إطلاقها رغم عجزها، وفق تقديره، عن إحداث تأثير في موازين القوى ميدانياً أو على طاولة المفاوضات بين واشنطن وطهران، متسائلاً عما إذا كانت تستهدف القوات الإسرائيلية أم الدولة.
وقال إن هذه المسيرات تبدو، في مكان ما، موجهة إلى «صدر الدولة» وصنّاع قرارها، وتستهدف وأد أي مكسب ناشئ عن المفاوضات، رغم أن العقل السياسي الذي يقف خلف قرار إطلاقها يعرف أن نتنياهو لا يريد منح لبنان شيئاً، أياً كان وزنه، ويفضل دخول الانتخابات بصفة «إله حرب».
وأضاف أن «حزب الله» رفض بعناد تسليم منشآت «علي الطاهر» إلى الشرعية، فسقطت بيد إسرائيل رغم الدعاية التي صورتها كأنها «ستالينغراد»، ما أدى، بحسب الكاتب، إلى مزيد من اهتزاز صورته وتحوله إلى مادة للسخرية داخلياً وخارجياً. ورأى أن الحزب، بدلاً من مراجعة ما حصل، يواصل نهج «التدمير الذاتي» عبر دعاية إعلامية تتحدث عن طاولات موازية وتسويات مفترضة، ومقابلة التصعيد الإسرائيلي بتصعيد موازٍ وأكثر حدة تجاه الدولة تحت عنوان فشل الخيار الدبلوماسي وتحميلها وحدها كلفة الفشل.
وفي المقابل، أشار زريق إلى أن إطلاق إسرائيل سراح خمسة أسرى لم يكن «عربون ودّ» تجاه الحزب ولا تمهيداً لحواره مع الولايات المتحدة، بل نتيجة ضغط سياسي أميركي لإنجاح المسار التفاوضي الذي أسسته واشنطن وترعاه. كما لفت إلى ما نشرته «هيئة البث الإسرائيلية»، نقلاً عن مصادر عسكرية، عن اعتزام إسرائيل الانسحاب من «الخط الأصفر» وتنفيذ إعادة انتشار نحو خط جديد «رمادي»، بما ينسجم مع «اتفاق الإطار».
واعتبر أن مصطلح «إعادة الانتشار»، الذي تعرض للرجم والأبلسة طوال أشهر، يثبت في نهاية المطاف أن الدبلوماسية ليست صفراً ولا تشريعاً للاحتلال ولا تنازلاً عن السيادة، بل «فن الممكن» وفق الإمكانيات المتاحة، بما ينسجم مع عنوان «الحد من الخسائر» الذي تبناه بعبدا، والمناورة على ضفاف المعادلات الناشئة، وفي مقدمها معادلة «الأرض مقابل السلاح» التي تلوّح بها الولايات المتحدة.
وخلص الكاتب إلى أن مسيرات الحزب الانتحارية، التي قال إنها تشبه نهجه، لم تفتح ثغرة في ميزان القوة، لكنها فتحت أبواباً جديدة للكلفة. وذكر أن تدمير مستشفى غندور في النبطية يحمل مؤشرات سلبية إلى إعادة طرح فكرة احتلالها، فيما تؤدي مواصلة الاعتداءات على قوات «اليونيفيل» بالتزامن مع احتدام النقاش حول القوة البديلة إلى الإضرار بمساعي الدولة لانتزاع تمديد جديد لها، وتصب في خانة تدعيم «الفيتو» الأميركي ـ الإسرائيلي المانع لأي محاولة لإعادة تدويرها.
وبناءً على ذلك، تساءل زريق: ما دامت هذه المسيرات لا تغيّر ميزان القوى عسكرياً، وتستجلب مزيداً من القتل والدمار، وتزيد كلفة الحرب، وتمنح إسرائيل ذرائع للتصعيد وتضعف موقف الدولة، فعلى من تُطلق فعلياً: على إسرائيل، أم على قرار الدولة ومسارها التفاوضي، أم على حاضنة الحزب والمدنيين الذين يدفعون كلفة الدم والخراب؟



