بعد سنوات من التحقيقات القضائية التي اصطدمت بالحصانات السياسية وعشرات الدعاوى التي واجهت المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، حمّل المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب، في المطالعة بالأساس التي أعدّها، رئيس الجمهورية السابق ميشال عون مسؤولية جزائية، على خلفية علمه المسبق بوجود نترات الأمونيوم وخطورتها، وما إذا كان قد اتخذ الإجراءات التي يفرضها عليه موقعه لإبعاد الخطر قبل وقوع الكارثة.
ووقّع صعب ظهر الثلاثاء المطالعة بصيغتها النهائية، ثم انتقل إلى مكتب القاضي البيطار، حيث عقد معه اجتماعاً استمر ساعة كاملة، سلّمه خلالها الملف بعد إنجاز مهمته، وناقشا مضمونه والمطالب التي خلص إليها.
وكشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن المطالعة، المؤلفة من 260 صفحة فولسكاب، أوردت أسماء الشخصيات التي كانت على علم بوجود نترات الأمونيوم في المرفأ، وفي مقدمها عون، الذي كان قد تسلّم تقريراً مفصلاً عن وجود هذه المواد وخطورتها وإمكان انفجارها، من دون أن يعرض القضية على مجلس الدفاع الأعلى، رغم انعقاد جلساته في القصر الجمهوري برئاسته.
ولم تتضح بعد طبيعة الإجراء الذي طلب صعب اتخاذه بحق عون، أو ما إذا كان قد ادعى عليه مباشرة. إلا أن المصادر رجّحت أن يكون قد حمّله مسؤولية جزائية، وطلب ملاحقته بالجرائم نفسها التي يلاحق بها رئيس الحكومة الأسبق حسان دياب وعدد من السياسيين والقادة الأمنيين والعسكريين والقضائيين.
وتثير هذه المسألة نقاشاً قانونياً ودستورياً بشأن آلية ملاحقة رئيس الجمهورية. وأشارت المصادر إلى أن الحصانة المرتبطة بمنصب رئيس الجمهورية لا تحول دون مساءلته عن الجرائم الجزائية، على أن تبحث الجهات القضائية والدستورية المعنية الجهة المختصة بالمحاكمة والإجراءات الواجب اتباعها. وأضافت أن النيابة العامة طلبت من المحقق العدلي توجيه الاتهام إلى عون وتحميله المسؤولية عما حصل في 4 آب، خصوصاً أنه كان قد علم مسبقاً بوجود النترات والتحذير من خطر انفجارها قبل أسبوعين من وقوع الكارثة، معتبرة أن مسؤوليته لا تقل عن مسؤولية رئيس الحكومة السابق حسان دياب والمدعى عليهم الآخرين.
ويشكّل إنجاز المطالعة المحطة الأبرز قبل صدور القرار الاتهامي المتوقع قبل نهاية العام الحالي. ويعكف البيطار حالياً على درسها، مع الإشارة إلى أنه غير ملزم بمطالب النيابة العامة، وله أن يأخذ بها كاملة أو جزئياً أو يخالفها.
وأكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن المطالعة حدّدت المسؤوليات بالنسبة إلى 73 مدعى عليهم، بينهم أشخاص معنويون من شركات، كما عالجت اختصاص الملاحقات بالنسبة إلى القضاة والنواب والوزراء والأمنيين والعسكريين، وصنّفت الأفعال والمسؤوليات وفق مواقع المعنيين ودور كل منهم.
ولم تقتصر المطالعة على المسؤوليات الإدارية والسياسية والقضائية، بل طرحت أسئلة بشأن الوقائع التي سبقت كارثة 4 آب 2020 ورافقتها وتلتها. ووفق المصدر، شملت الأسئلة ما إذا كان ما حصل انفجاراً أم تفجيراً، وما إذا كان ناجماً عن خطأ أم عن عمل إرهابي، وما إذا كانت كامل كمية نترات الأمونيوم التي وصلت إلى المرفأ، والمقدّرة بـ2750 طناً، قد انفجرت، إضافة إلى احتمال وجود جهات لبنانية مرتبطة باستيراد الشحنة من جورجيا أو بما حدث لاحقاً، وما إذا كان المرفأ قد تعرّض لاستهداف إسرائيلي.
كما تناولت المطالعة أسماء شخصيات أثيرت حولها شبهات في الإعلام من دون الادعاء عليها أو الاستماع إلى إفادتها، وبحثت في مدى جدية هذه الشبهات، واضعة معايير لتحديد المسؤولية شملت إدارة المرفأ والقضاة والأجهزة الأمنية والعسكرية والمستويات السياسية العليا.
ومع عودة الملف إلى عهدة القاضي طارق البيطار، تنتقل قضية المرفأ إلى مرحلة بحث المسؤوليات وتحديد نطاقها، بعد تحقيق استمر سنوات وواجه عوائق سياسية وقضائية متلاحقة. ويبقى القرار الاتهامي من اختصاص البيطار، فيما وضعت مطالعة النيابة العامة أمامه المسؤوليات والتوصيفات القانونية التي خلصت إليها.



