تفرض التحركات الإسرائيلية المتكررة في منطقة العرقوب جنوب لبنان، عند السفوح الغربية لجبل الشيخ والمحاذية لمزارع شبعا، واقعاً أمنياً مختلفاً عن مناطق أخرى في الجنوب، إذ تنفذ القوات الإسرائيلية عمليات توغل ومداهمات داخل بعض القرى ثم تنسحب، من دون احتلال مباشر لها بالشكل القائم في مناطق جنوبية أخرى، وفق ما أوردته صحيفة «الشرق الأوسط».
ويطالب أبناء العرقوب وبلدياتها بتعزيز انتشار الجيش اللبناني وإقامة نقاط ثابتة له، بما يرسخ حضور الدولة ويساعد السكان على البقاء في أراضيهم.
«احتلال أمني» وحرية حركة
وقال العميد الركن المتقاعد حسن جوني لـ«الشرق الأوسط» إن طريقة تعاطي الجيش الإسرائيلي مختلفة هذه المرة، إذ تقوم على «حرية العمل من دون الاحتلال المباشر» في عدد من المناطق، معتبراً أن العرقوب تحظى بتعامل أمني مختلف نظراً إلى موقعها بين سفوح جبل الشيخ ومزارع شبعا، وكونها عقدة وصل جغرافية بين جنوب لبنان وجنوب سوريا.
وأوضح جوني أن المنطقة تتميز بجغرافيا معقدة، إذ تضم مرتفعات مشرفة على الداخل الإسرائيلي والمواقع الإسرائيلية، إلى جانب أودية تتيح إمكانات للحركة والتسلل، ما يجعلها منطقة أمنية صعبة عسكرياً. وقال إن إسرائيل «لم تحتل هذه المنطقة بالمعنى التقليدي للاحتلال، إنما تحتلها أمنياً»، عبر الاحتفاظ بحرية الحركة والعمل الأمني والعسكري داخلها.
وأشار إلى أن الإجراءات الإسرائيلية تشمل التفتيش والبحث والمداهمات والاعتقالات، تحت عنوان الاشتباه بتعاون بعض الأشخاص مع «حزب الله»، إضافة إلى محاولة إزالة ما يمكن أن يشكل عائقاً أمام مراقبة بعض المجالات الجغرافية. وأضاف أن المداهمات تهدف أيضاً إلى فرض واقع ردعي على السكان، مفاده أنهم مراقبون وأن أي تعامل أمني مع «حزب الله» ستكون له عواقب قاسية.
وربط جوني هذا الأسلوب بنمط أوسع من التحركات الإسرائيلية في المناطق الحدودية، قائلاً إنه يمثل «فلسفة جديدة في الأمن الإسرائيلي والعقيدة الأمنية الإسرائيلية»، تُعتمد أيضاً في جنوب سوريا عبر الدخول إلى عدد من القرى والخروج منها من دون احتلال مباشر. وأضاف أن إسرائيل لم تتعامل مع العرقوب بالمستوى نفسه من التدمير الواسع للبيوت والقرى والبنى التحتية الذي شهدته قرى أخرى في جنوب لبنان.
وقال جوني إن إسرائيل تريد، في رأيه، ترك انطباع لدى اللبنانيين بأنها تتعامل مع الطوائف بشكل مختلف، معتبراً أن هذه «مقاربة خبيثة» تهدف إلى التفرقة والإيحاء بأن المشكلة محصورة بطائفة أو حزب معين وبيئته. وأضاف أن التعامل الأمني الإسرائيلي مع مناطق جنوب لبنان يأخذ في الاعتبار التمييز بين القرى وفق طائفة ومذهب سكانها، وبمستويات مختلفة.
سيطرة أمنية وعسكرية
وقال ابن بلدة كفر شوبا، الأستاذ الجامعي والباحث السياسي الدكتور باسل صالح، لـ«الشرق الأوسط»، إن غياب الاحتلال العسكري المباشر عن العرقوب لا يعني خروجها من دائرة العمل العسكري الإسرائيلي، مؤكداً أنها تخضع لسيطرة أمنية وعسكرية تتيح للجيش الإسرائيلي الدخول إليها والخروج منها بسهولة.
وأوضح صالح أن ذلك ظهر في عمليات توغل عدة، واقتحام منازل وتفتيشها واعتقال أشخاص واقتياد مواطنين عاديين لا علاقة حزبية أو عسكرية لهم للتحقيق. وأشار إلى عملية عسكرية نُفذت قبل فترة في منطقة الهبارية، دخلت خلالها القوات الإسرائيلية واعتقلت شخصاً من المنطقة، فضلاً عن حوادث مماثلة سابقة.
وأضاف أن هذه العمليات تحصل رغم عدم إطلاق أي رصاصة من المنطقة باتجاه إسرائيل، معتبراً أن ذلك يؤكد ممارسة إسرائيل «احتلالاً بطريقة غير مباشرة» عبر السيطرة الأمنية والحد من حرية الحركة، سواء للسكان المقيمين أو لأبناء القرى الذين يعيشون في بيروت ومناطق أخرى ويريدون العودة إلى بلداتهم.
وأشار صالح إلى وجود مواقع عسكرية إسرائيلية قائمة تاريخياً في تلال كفر شوبا ومزارع شبعا، وهي مناطق لم تنسحب إسرائيل منها، إضافة إلى استحداث مواقع جديدة في محيط العرقوب ومرتفعاته، ما يجعل مناطق منها «ساقطة عسكرياً» وتخضع في الوقت نفسه لهيمنة أمنية مباشرة.
مطالب بتثبيت الجيش ودعم السكان
ولفت صالح إلى أن الغالبية الساحقة من سكان المنطقة الذين بقوا فيها هم مزارعون يعملون في أراضيهم، في الزراعة وقطاف الزيتون أو تربية المواشي والرعي، ولا يقومون بأي عمل عسكري. وقال إن المنطقة دفعت ثمناً كبيراً منذ حرب الإسناد، إذ دُمّر نحو نصف كفر شوبا وتضررت أجزاء واسعة من قرى أخرى في العرقوب نتيجة الهجمات.
وأكد صالح عدم وجود عسكري مباشر لـ«حزب الله» في المنطقة، موضحاً أن بلديات العرقوب تناشد منذ فترة طويلة الحكومة اللبنانية تثبيت نقاط عسكرية للجيش لسببين: منح السكان الثقة بحضور الدولة ووجود الجيش إلى جانبهم، وتولي الجيش مواجهة أي خرق عسكري محتمل.
وقال إن أبناء العرقوب وبلدياتها يعملون على بقاء الناس في أرضهم، باعتبار ذلك الهدف النهائي لأي تحرك سياسي أو أمني، مطالباً بتعزيز وجود الدولة وإقامة نقاط ثابتة للجيش اللبناني.
وشدد صالح على أن دور الدولة لا ينبغي أن يقتصر على الجانب الأمني، بل يجب أن يشمل دعم صمود الأهالي وبقائهم عبر المدارس والجامعات، وتأمين المياه والكهرباء والاتصالات وسائر مقومات الحياة الأساسية.



