خبر

السمنة عالمياً.. تباطؤ في الدول الغنية وتسارع مقلق في الدول النامية

تُظهر دراسة دولية واسعة أن أزمة السمنة في العالم لم تعد تسير بالوتيرة نفسها في كل مكان. ففي وقت بدأت معدلاتها تتباطأ أو تستقر في عدد من الدول الغربية ذات الدخل المرتفع، تكشف الأرقام عن تسارع مقلق في دول منخفضة ومتوسطة الدخل، خصوصاً بين الأطفال والمراهقين.

وبحسب دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature وأعدّتها شبكة NCD-RisC، وهي تعاون عالمي يضم علماء في مجال الصحة، تم تحليل بيانات مرتبطة بالسمنة شملت 232 مليون شخص من عمر 5 سنوات وما فوق، على مدى 45 عاماً.

Advertisement


وأظهرت النتائج أن معدلات السمنة قد تكون بدأت تتباطأ في عدد من الدول الغنية، بينها دول في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية وأسترالاسيا، إضافة إلى بعض الدول الآسيوية ذات الدخل المرتفع. وفي بعض هذه البلدان، ظهرت مؤشرات على بلوغ المعدلات مرحلة الثبات، بل وتراجع طفيف أحياناً، خصوصاً لدى الأطفال والمراهقين.

لكن الصورة تبدو أكثر قتامة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. فالسمنة بين الأطفال والمراهقين لا ترتفع فقط، بل تتسارع بوتيرة لافتة في مناطق من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والكاريبي وجزر المحيط الهادئ.

وتشير الدراسة إلى أن السمنة لم تعد مجرد مسألة وزن زائد، بل أزمة صحية واسعة. فاليوم يعيش نحو واحد من كل ثمانية أشخاص مع السمنة، أي أكثر من مليار شخص حول العالم، ما يجعلها وباءً غير معدٍ يضغط على الأنظمة الصحية والمجتمعات.


وترتبط السمنة بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والكلى والكبد والجهاز التنفسي، إضافة إلى اضطرابات العضلات والعظام والمفاصل، بما ينعكس مباشرة على جودة الحياة. وقد برزت خطورتها بشكل أوضح خلال جائحة كورونا، حين واجه المصابون بالسمنة احتمالات أعلى للإصابة الشديدة، والاستشفاء، وحتى الوفاة.

ورغم أن الأمر قد يبدو متناقضاً، فإن السمنة تُصنّف ضمن أشكال سوء التغذية، لأن سوء التغذية لا يعني النقص فقط، بل يشمل أيضاً الإفراط أو الاختلال في تناول العناصر الغذائية. ومع ذلك، لا تختصر أسباب السمنة في الطعام وقلة الحركة وحدهما.

فالعوامل تختلف من بلد إلى آخر، وتتأثر بتحولات إنتاج الغذاء وتصنيعه، وبأسعار الطعام وتوافره، إضافة إلى ظروف المعيشة، والعادات الاجتماعية، والسياسات الغذائية والصحية التي تعتمدها الحكومات.

وفي هذه الدراسة، حلل الباحثون بيانات 4050 دراسة سكانية أُجريت بين عامي 1980 و2024 في 200 دولة وإقليم. ولم يكتفوا بقياس عدد المصابين بالسمنة في لحظة معينة، بل تتبعوا الوتيرة السنوية لارتفاع أو تراجع المعدلات، بهدف فهم كيفية تطور الأزمة عاماً بعد عام.

وباستخدام تقنية حاسوبية للتعرف إلى الأنماط، صنّف الباحثون الدول في مجموعات تتشابه في مسارات السمنة بين الأطفال والمراهقين والبالغين. وكشفت النتائج عن انقسام عالمي واضح: ففي الدول الغنية بدأت معدلات السمنة لدى الأطفال والمراهقين بالتباطؤ منذ تسعينيات القرن الماضي، فيما ظهر الاتجاه نفسه لدى البالغين ابتداءً من عام 2000 تقريباً. أما في دول نامية عديدة، فما زالت الأزمة تتسارع.

ويرجح الباحثون أن سهولة الوصول إلى الغذاء الصحي والمعلومات الصحية في الدول الأكثر ثراءً ساهمت في إبطاء الارتفاع. في المقابل، أدت التحولات العمرانية في الدول النامية، والانتقال من أعمال بدنية إلى أنماط أكثر جلوساً، والاعتماد المتزايد على الأطعمة المصنعة والمستوردة، إلى تغيير نمط الحياة بسرعة، بينما لم تواكب أنظمة الصحة العامة هذا التحول بالقدر المطلوب.

وتخلص الدراسة إلى أن السمنة ليست وباءً عالمياً موحد الشكل. فبعض الدول بدأت تسيطر على المنحنى، بينما لا تزال دول أخرى تشهد ارتفاعاً حاداً. لذلك، لا يمكن التعامل مع الأزمة بسياسة واحدة تصلح للجميع، بل تحتاج كل منطقة إلى حلول مصممة وفق ظروفها: من تنظيم الغذاء والأسعار، إلى التربية الصحية، وتحسين الوصول إلى الطعام الصحي، وتعزيز أنماط الحياة النشطة.

أخبار متعلقة :