مثّل وزير الصحة العامة ركان ناصر الدين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في افتتاح الملتقى السنوي الرابع لنقابة النفسانيين في لبنان، الذي عُقد في فندق "موفنبيك" في بيروت تحت عنوان "سيكوباتولوجيا الأسرة المعاصرة: التفكير بالعيادة النفسية الراهنة"، بحضور نقيبة النفسانيين رجاء مكي، وممثلة وزيرة التربية هيلدا خوري، ونائبة رئيس "كاريتاس" الرئيسة ميراي حداد، وشخصيات سياسية واجتماعية وطبية. وتخلل الملتقى عدد من المحاضرات المتخصصة حول التحديات التي تواجه الأسر في لبنان.
وألقى ناصر الدين كلمة رئيس الجمهورية، معتبراً أن تنظيم النقابة هذا الملتقى للسنة الرابعة على التوالي وتحويله إلى محطة مرجعية للنفسانيين والباحثين والطلاب، دليل على حيوية المهنة وجديتها. وشكر النقابة ورئيستها رجاء مكي على إعداد البرنامج العلمي واختيار موضوع "سيكوباثولوجيا الأسرة المعاصرة"، الذي يعكس، بحسب قوله، واقع الأسر اليوم.
وقال إن الأسرة التي يتناولها المشاركون من خلال العيادة والتجربة السريرية هي نفسها التي واجهت، صدمة تلو أخرى، الهزات التي عصفت بلبنان خلال السنوات الأخيرة. وأشار إلى أن الأسر اللبنانية عاشت منذ عام 2019 انهياراً مالياً واقتصادياً صنّفه البنك الدولي من بين الأشد قسوة التي شهدها العالم منذ أكثر من قرن، فيما مزّق انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 حياة آلاف الأسر، ثم جاءت الجائحة لتعزل الناس عن بعضهم البعض في وقت كانوا في أمسّ الحاجة إلى بعضهم.
وأضاف أن لبنان لا يزال يستضيف، نسبةً إلى عدد سكانه، واحداً من أكبر أعداد النازحين واللاجئين في العالم، لافتاً إلى أن العدوان الإسرائيلي والنزوح المتجدد أجبرا الأسر، مرة أخرى، على ترك بيوتها وأراضيها ومحاولة تفسير ما لا يمكن تفسيره لأطفالها. وقال إن أسر أمم أخرى قلّما طُلب منها، خلال هذه المدة القصيرة، هذا القدر من الصمود.
وأكد ناصر الدين أن العمل الذي يناقشه الملتقى لم يعد تمريناً أكاديمياً، بل أصبح شأناً من شؤون الدولة، موضحاً أن الأزمات تركت آثاراً في طريقة عمل الأسرة اللبنانية، وفي السلطة التي لا يزال الأهل قادرين على ممارستها على أبنائهم الذين يكبرون بين الحرب والهجرة والشاشة، وفي قدرة الزوجين والأسرة على التماسك تحت ضغوط لا ينبغي لأي أسرة أن تتحملها وحدها.
وأشار إلى أن الحكومة تعتبر الصحة النفسية، وصحة الأسرة النفسية خصوصاً، جزءاً لا يتجزأ من الصحة العامة، بل من صحة الوطن نفسه. وذكّر بإنشاء البرنامج الوطني للصحة النفسية ضمن وزارة الصحة العامة منذ أكثر من عقد، وبمواصلة الحكومات المتعاقبة الاستثمار فيه في ظل الأزمات المتلاحقة.
وأوضح أن البرنامج الوطني للصحة النفسية، بقيادة الدكتور ربيع الشماعي، نفّذ استراتيجيتين وطنيتين للصحة النفسية، تغطي أحدثهما الفترة الممتدة من 2024 إلى 2030، بهدف نقل منظومة الرعاية في لبنان من العزلة إلى خدمات مجتمعية كريمة ومتاحة للجميع.
ولفت إلى أن البرنامج عمل على دمج الصحة النفسية في مراكز الرعاية الصحية الأولية في مختلف المناطق اللبنانية، بما يتيح الدعم بالقرب من أماكن إقامة المواطنين بدلاً من حصره في المؤسسات المتخصصة. كما بنى ودرّب شبكة وطنية لتقديم الإسعاف النفسي الأولي والدعم النفسي والاجتماعي خلال حالات الطوارئ، من انفجار مرفأ بيروت والجائحة إلى الحرب الإسرائيلية الراهنة على لبنان وما رافقها من نزوح، وطوّر تدخلات رقمية منخفضة الكلفة وقائمة على الأدلة العلمية حظيت بتقدير دولي.
وتطرق ناصر الدين إلى المسار الذي أفضى إلى تنظيم مهنة علم النفس في لبنان، مشيراً إلى أن أجيالاً من أخصائيي علم النفس اللبنانيين طالبت، منذ سبعينيات القرن الماضي، بالاعتراف الرسمي بالمهنة وتنظيمها وحمايتها بموجب القانون.
وأوضح أن البرنامج الوطني للصحة النفسية جمع، نيابةً عن الدولة اللبنانية، الجامعات والجمعيات المهنية وأخصائيي علم النفس حول طاولة واحدة، وقاد إعداد مسودة مشتركة عبر المسار السياسي وصولاً إلى إقرارها. وأعرب عن الفخر بالدور الذي أُسهم به في صدور القانون الذي أنشأ نقابة النفسانيين عام 2017، والقانون اللاحق عام 2022 الذي منحها بنيتها الديمقراطية والمؤسسية الكاملة، بما أتاح لأخصائيي علم النفس في لبنان إطاراً مهنياً يضع المعايير ويحمي الناس من خلال الترخيص وأخلاقيات المهنة.
وقال إن الشراكة لا تتوقف عند القانون الذي أسّس النقابة، بل تستمر في مناقشة الضغوط التي تعيد تشكيل الأسرة المعاصرة، من الهويات الرقمية وأنماط التربية الجديدة إلى المعضلات الأخلاقية للعلاج النفسي في عالم تحكمه وسائل الإعلام.
وأكد أن الحكومة عازمة على مواصلة الشراكة لترجمة هذا التفكير إلى خدمات تصل إلى الأسر أينما كانت، والعمل على تعزيز القوى العاملة في علم النفس ضمن النظام الصحي الوطني، وحماية الأطفال والمراهقين الذين يشقون طريقهم في عالم لم يعرفه آباؤهم وأمهاتهم، وضمان ألا تُترك أي أسرة لبنانية تعاني وحدها.
وختم وزير الصحة بالتأكيد أن لبنان طلب الكثير من أسره خلال السنوات الأخيرة، كما طلب الكثير من النفسانيين والباحثين الذين يقفون إلى جانب هذه الأسر في أصعب لحظاتها، موجهاً باسم الجمهورية اللبنانية الشكر إلى المشاركين، ومهنئاً نقابة النفسانيين في لبنان بملتقاها الرابع، ومتمنياً لنقاشاته الدقة العلمية والإنسانية التي يستحقها الموضوع.



