Advertisement
الأرقام وحدها تكشف حجم التحول. فالبطولة الحالية تضم 1248 لاعبًا يمثلون 48 منتخبًا، قادمين من مئات الأندية المنتشرة في عشرات الدول. هذا يعني أن كأس العالم لم يعد فقط مواجهة بين بلدان، بل بين شبكات كروية عابرة للحدود. لاعب يولد في بلد، يتكوّن في بلد ثان، يلعب في نادٍ في بلد ثالث، ثم يحمل قميص منتخب يرتبط به عائليًا أو وجدانيًا أو قانونيًا.
أما إرلينغ هالاند، نجم النرويج، فيقدّم مثالًا آخر على أن بلد الولادة وحده لا يحسم الانتماء الرياضي. وُلد في إنكلترا، لكنه يمثل النرويج.
هذه الأمثلة لا تعني أن فكرة المنتخب الوطني ماتت، بل أن معناها تغيّر. المنتخب لم يعد بالضرورة مجموعة لاعبين خرجوا جميعًا من الدوري المحلي أو من أحياء البلد نفسه. أصبح المنتخب مشروعًا أوسع، يتلخص في اتحاد كروي يبحث في الداخل والخارج، يراقب الجاليات، يتابع الأكاديميات الأوروبية، ويفتح الباب أمام لاعبين يملكون أكثر من خيار.
في المقابل، يطرح هذا الواقع أسئلة حساسة. هل يضعف ذلك العلاقة بين المنتخب وجمهوره المحلي؟ أم يعززها من خلال استعادة أبناء الشتات؟ هل يصبح الانتماء قرارًا رياضيًا باردًا، أم يبقى خيارًا عائليًا وعاطفيًا؟ وهل اللاعب الذي يتكوّن في أوروبا ثم يمثل بلد أصوله أقل ارتباطًا من لاعب وُلد داخل ذلك البلد؟
الإجابة ليست واحدة. في بعض الحالات، يبدو القرار مرتبطًا بفرصة المشاركة والظهور. في حالات أخرى، يكون أعمق بكثير، مرتبطًا بالعائلة، باللغة، الذاكرة، والبلد الذي ظل حاضرًا داخل البيت حتى لو كان بعيدًا جغرافيًا.
لذلك، قد يكون السؤال الأدق في مونديال 2026 ليس: هل مات المنتخب الوطني؟ بل: هل وُلد تعريف جديد له؟
في هذه النسخة من كأس العالم، لا تكفي الخريطة لفهم القوائم. خلف كل اسم قد تكون هناك مدينة ولادة مختلفة، وأكاديمية مختلفة، وجنسية مزدوجة، وقصة هجرة، وقرار شخصي. لم تعد كرة القدم الوطنية محصورة داخل الحدود، بل صارت تمتد حيث تمتد العائلات والجاليات والمواهب.
هكذا، يظهر المونديال كمرآة لعالم تغيّر. عالم لم تعد فيه الهوية خطًا مستقيمًا بين بلد ولاعب، بل شبكة معقدة من الأصل والنشأة والتكوين والاختيار. وفي الملعب، لا تُحسم هذه الأسئلة بالنقاشات النظرية، بل بقميص يرتديه لاعب، ونشيد يسمعه قبل المباراة، وجمهور يرى فيه واحدًا منه، حتى لو جاء من بعيد.



