وأفادت تقارير إسرائيليّة نُشرت بالتزامن مع الجولة السابعة في روما بأنّ إسرائيل تطرح معلومات عن هؤلاء، فيما يحمل لبنان ملفّ معتقليه والجثامين التي تحتجزها إسرائيل. وأشارت “هآرتس” إلى قضية اليهود اللبنانيّين المخطوفين في الثمانينيّات، فيما نشر موقع “Yeshiva World” تفاصيل عن إسحق ساسون وسليم جمّوس وعائلات أخرى. والملفّ، بهذا المعنى، ليس اختراعًا إسرائيليًّا من خارج الاتفاق. فالفقرة الثالثة عشرة من “اتفاق الإطار الثلاثيّ”، الموقّع في واشنطن في 26 حزيران، تتحدّث عن العمل من أجل “البحث عن الرفات وإعادتها” وإطلاق المحتجزين. لم يقل النصّ رفات مَن. ترك العبارة مفتوحة، وأتاح للطرفين أن يضعا فيها موتاهما.
الجديد، إذن، ليس الرفات. الجديد هو مَن تعتبر إسرائيل أنّهم موتاها.
لماذا الآن؟
ثمّة وظيفة تفاوضيّة مباشرة للطرح. إذا كان لبنان يدخل ملفّ الأسرى والجثامين إلى المفاوضات، تدخل إسرائيل المقابل الذي تملكه في الخانة نفسها. هكذا لا تبقى مطالبة بيروت ملفًّا أحاديّ الاتجاه، بل تصبح جزءًا من تبادل أوسع، لكلّ طرف فيه أسرى ومفقودون وجثامين يريد جوابًا بشأنها.
لكنّ الاستعمال الإسرائيليّ للقضيّة يتجاوز صناعة هذا التوازي. فالجولة الحاليّة لا تبحث في مسألة أمنيّة واحدة. إسرائيل تريد، بحسب مسؤول إسرائيليّ تحدّث إلى تايمز أوف إسرائيل، مجموعات عمل تتناول الحدود البرّية والبحريّة، و”المناطق التجريبيّة”، ونزع سلاح “حزب الله”، ووقف التمويل الإيرانيّ، وإعادة الإعمار. والولايات المتحدة تتحدّث أصلًا عن السير نحو “اتفاق سلام وأمن شامل“.
ضمن هذا السياق، تصبح استعادة قضية من الثمانينيّات ذات معنى مختلف. إسرائيل توسّع تعريف ما ينبغي أن تُغلقه التسوية. فلا يعود المطلوب معالجة نتائج الحرب الأخيرة فقط، بل بعض إرث العلاقة اللبنانية، الإسرائيليّة نفسها.
وفي هذا تحديدًا، يخدم ملفّ المخطوفين غرضًا إسرائيليًّا إضافيًّا. فإعادته تربط “حزب الله” الراهن بتاريخ نشأته، وتعيد السلاح المطروح اليوم للنزع إلى لحظة الثمانينيّات التي نشأت فيها التنظيمات الشيعيّة الإسلاميّة المسلّحة وعمليات الخطف. المعنى الضمنيّ واضح، المشكلة التي تفاوض إسرائيل لبنان على إنهائها اليوم ليست، في الرواية الإسرائيليّة، وليدة 2023 أو 2026، بل تمتدّ أربعين عامًا إلى الوراء.
هنا تظهر المفارقة التي تجعل هذا الملفّ أكثر إثارة من ملفّ رفات عاديّ.
فالذين تطالب بهم إسرائيل لم يكونوا جنودًا إسرائيليّين فُقدوا في لبنان، ولا مواطنين إسرائيليّين خُطفوا عبر الحدود. كانوا يهودًا لبنانيّين، يعيشون في بيروت ويحملون، في معظم الحالات، هويّة بلدهم.
وهذا تمييز أضعفته عقود الصراع إلى حدّ أن الاسم نفسه بات ملتبسًا. فلبنان لا يزال يستخدم تسمية “الطائفة الإسرائيليّة”، وهي تسمية سبقت قيام إسرائيل أصلًا. تعود إلى القرار 60 ل.ر. الصادر سنة 1936، حين كانت كلمة “Israélite” الفرنسيّة تعني اليهوديّ دينيًّا، لا الإسرائيليّ بالمعنى السياسيّ الذي لم يكن موجودًا بعد. وفي 2025 أعادت النائبة بولا يعقوبيان تقديم اقتراح لتغيير التسمية رسميًّا إلى “اليهوديّة”.
وبحسب معهد الشرق الأوسط، بلغ عددهم قرابة 14 ألفًا قبيل أزمة 1958. عندها بدأ الانحسار، ثمّ تسارع بعد 1967. وأتت الحرب الأهليّة، ثمّ الاجتياح الإسرائيليّ عام 1982، لتقضيا على معظم ما بقي من الحياة اليهوديّة الجماعيّة. والمفارقة الأشدّ دلالةً أنّ بعض اليهود الذين ظلّوا في لبنان عام 1982 رفضوا عرضًا إسرائيليًّا بالحصول على الجنسية الإسرائيليّة.
أي إنّ قيام إسرائيل لم يُنهِ يهود لبنان. احتاج الأمر إلى سنوات من الحروب كي تصبح المسافة بين “يهوديّ لبنانيّ” و”إسرائيليّ” عصيّة على التخيّل.
حين صنعت الحرب هذا الالتباس
ثمّ جاءت عمليات الخطف لتجعل الالتباس دمويًّا. في آب 1984 اختُطف سليم مراد جمّوس، الأمين العام السابق للطائفة. وفي 1985 خُطف عدد من أبرز أبنائها، بينهم رئيسها إسحق ساسون والطبيب إيلي حلّاق.
وفي تشرين الثاني 1985، نقلت واشنطن بوست عن “منظّمة المستضعفين في الأرض” احتجاز أربعة يهود لبنانيّين، وربط مصيرهم بإطلاق معتقلين لدى إسرائيل وحلفائها في الجنوب.
ترتبط هذه المنظمة، في عدد من الدراسات اللاحقة، بالشبكة التنظيميّة التي خرج منها “حزب الله”، وإن كان تاريخ التنظيمات السرّيّة وأسمائها في تلك المرحلة أكثر تشابكًا من أن يُختزل بنسب كلّ عملية إلى الحزب بصورته اللاحقة.
لكنّ المسألة السياسية لا تحتاج إلى حسم هذا السجال. فالخاطفون فعلوا شيئًا أبسط، وأشدّ خطورة، أخذوا مواطنين لبنانيّين وجعلوهم رهائن في نزاع مع إسرائيل لأنّهم يهود.
بهذا المعنى، سبق الخاطفون إسرائيل إلى “أسرلة” يهود لبنان. وعندما حملت إسرائيل القضية إلى الأمم المتحدة عام 1987، ردّت الحكومة اللبنانية بأنّها سبق أن عبّرت عن قلقها على سلامة “مواطنيها“ لفظة “مواطنيها” تكاد تختصر المسألة كلّها.
طائفةٌ موجودة وغير مرئيّة
لم تُلغَ الطائفة اليهوديّة بعد الحرب، ولم يصدر قرار بإخراجها من التركيبة اللبنانية. ولم تعتمد الدولة اللبنانيّة سياسةً عامّة لمصادرة أملاك اليهود بسبب يهوديّتهم، وهو ما تميّزت به التجربة اللبنانيّة عن تجارب أخرى في المنطقة، كما تظهر دراسة شولتزه. وبعد الحرب ظلّت أملاك وأوقاف للطائفة قائمة، وإن تشابكت أوضاع الملكيّة والهجرة وإعادة إعمار وسط بيروت.
وكنيس “ماغن أبراهام”، الذي بُني في عشرينيّات القرن الماضي وتضرّر خلال الحرب، بدأ ترميمه عام 2009. ساهم يهود لبنانيّون في المهجر في التمويل، وقدّمت “سوليدير” 150 ألف دولار ضمن برنامج دعم ترميم دور العبادة في وسط بيروت.. وكان رفيق الحريري قد أيّد الحفاظ على الكنيس وإعادة تأهيله، لا محوه من مشروع إعادة إعمار الوسط. وفي 2020 أعيد افتتاحه بصمت. وعندما توفّي رئيس الطائفة إسحق أرازي في 2023، قال محاميها باسم الحوت لوكالة فرانس برس إنّ نحو 30 يهوديًّا فقط ما زالوا في لبنان، مع الإشارة إلى صعوبة الأرقام بسبب الهجرة والتكتّم. وفي 2022، أحصت تقارير صحافيّة، استنادًا إلى الباحث ناجي زيدان، 27 يهوديًّا مسجّلين في لبنان، يعيش كثير منهم بهويّة شبه مستترة. وفي 2023 قدّر محامي الطائفة باسم الحوت العدد بنحو ثلاثين.
والحال فإنّ إسرائيل تستعيد عبر طرحها ثلاثة أشياء دفعةً واحدة، ورقةً تفاوضيّة تقابل بها ملفّ الأسرى والجثامين اللبنانيّة، فصلًا من تاريخ “حزب الله” تريده حاضرًا في مفاوضات نزع سلاحه، ودورًا لنفسها بوصفها الطرف الذي يتكلّم باسم يهود عاشوا خارجها.



