كتب منير الربيع في “المدن”:
إما معنا وإما ضدنا. هذه العبارة التي يسمعها أو يستخلصها ويستنتجها كل من يلتقي بالمسؤولين الأميركيين ولا سيما الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو وزير الخارجية ماركو روبيو. يقول الأميركيون إنَّ مشروعهم مستمر ويحقق التقدم سواء في إيران أو في الشرق الأوسط. ويضيفون إنَّ هذا المشروع سيتحقق إما بالتفاوض أو بالحرب أو بالمعارك ما بين الحروب. مقابل الكلام الأميركي هذا، يبرز كلام ديبلوماسي آخر لشخصيات مطلعة على المداولات يقولون فيه إنَّ كل ما يحكى عن مفاوضات وتحقيق تقدم هو كلام بلا إطار عملي. حتى الآن، تتوقع هذه الشخصيات أن تستمر الأزمة على حالها إلى فترة طويلة مع احتمال حصول تصعيد في أي وقت.
المشروع مستمر
يأتي هذا الكلام بالتزامن مع مرور سنتين على اغتيال أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله. اغتيال أريد له أن ينهي حقبة كاملة ليس في لبنان فقط بل في المنطقة. ذات يوم لعب نصرالله أدوار شخصيات كثيرة، وكان أحد المؤثرين في إيقاع المنطقة. بعد اغتيال قاسم سليماني، ورث نصرالله أحد أدواره الرئيسية، توسع دوره في العراق وكان صاحب رأي دور وتأثير في اليمن، من دون إغفال حجم حضوره وتأثيره في سوريا. ربما كان أكثر من رئيس لأكثر من دولة. واغتياله بالنسبة إلى الأميركيين يعني إنهاء تلك الحقبة بكل ما مثلته، وهو المشروع الذي بدأ باغتيال قاسم سليماني، ولا يزال مستمراً إلى اليوم. وهذا المشروع بالتحديد الذي يقول المسؤولون الأميركيون إنه مستمر.
أساليب عدة
وقراءة الخط البياني العريض لهذا المشروع لا تشير إلى أي إمكانية لتغييره من خلال الوصول إلى اتفاقات أو تفاهمات تبقي الوقائع كما كانت قبل الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران. وهو ما تريد أميركا وإسرائيل تطبيقه في لبنان، سوريا، العراق، ومع مختلف الدول العربية، إما من خلال إحداث تغييرات كبيرة في التوازنات داخل هذه الدول أو من خلال الدفع باتجاه عقد اتفاقات مع إسرائيل. تستخدم واشنطن في ذلك أكثر من أسلوب: الترغيب، والترهيب، إعطاء هامش للتفاوض، واستمرار التهديد بالحرب والتصعيد. وهو ما يبرز واضحاً في آلية التعاطي الأميركية مع لبنان، إذ تعرض عليه المساعدة، والدعم ولكنها تربطه بمسألة التصدي لحزب الله ومواجهته والعمل على سحب سلاحه.
انقسام يتعمق
تعطي واشنطن هامشاً للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، التي على ما يبدو تأجلت إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية. ولكن، في موازاة المفاوضات، تستمر إسرائيل بالتصعيد وعمليات القضم. ولا يتم تقديم أي مساعدات للجيش أو لأي مؤسسة أخرى قبل تحقيق المطلوب في ملف السلاح. أما الخيار البديل فسيكون مواصلة العمليات العسكرية الإسرائيلية التي لا يبدو أنَّ هناك من يضمن الحدّ منها أو يعرف حدودها. يُبقي ذلك لبنان في حالة انقسام، تتعمق أكثر فأكثر، وتجلت في مشهد إحياء الذكرى الثانية لاغتيال نصرالله، ولائحة الحاضرين والمقاطعين، علماً أن تعاميم كثيرة وردت على شكل نصائح بضرورة المقاطعة، وهو ما ستكون له آثاره وتداعياته في المرحلة المقبلة.
التغيير شرط لأي تقدم
ما تسعى إليه واشنطن بوضوح هو الاستثمار بتغيير موازين القوى على الساحة اللبنانية، لإحداث تغييرات كبيرة، وتطويق أو إنهاء شبكة كاملة من التقاطعات بين سياسيين واقتصاديين ورجال أعمال ومصرفيين وإعادة هيكلة المصارف والمؤسسات ككل. وتصل الأمور إلى حد الحديث عن ضرورة إحداث تغييرات داخل بنية المؤسسات الأمنية والعسكرية إلى جانب مؤسسات الدولة ككل، واستبعاد كل المحسوبين على حزب الله أو الذين ينسقون معه أو هم محسوبون متحالفين معه. وذلك يعني تفكيك كل البنى التي راكم عليها حزب الله طوال السنوات الماضية. وثمة من يستخدم عبارة أكثر وضوحاً وهي “تحييد كل الذين جرى تعيينهم في عهود سطوة حزب الله، ولا سيما في عهد إميل لحود وميشال عون”. وما تحمله الرسائل أيضاً، أنه من دون إحداث هذا التغيير على مستوى الأجهزة الأمنية والعسكرية، وفي المصارف وفي إدارات الدولة ومؤسساتها، لا يمكن للبنان أن يحقق أي تقدم في مجال الاستثمار أو المساعدات للجيش والمؤسسات أو المساعدة في إعادة الإعمار، ولن يتمكن من الالتحاق بأي مشروع اقتصادي في المنطقة.



