أخبار عاجلة

الدولة أمام تحدي الانخراط في المفاوضات وتجاهل اعتراض “الحزب”

الدولة أمام تحدي الانخراط في المفاوضات وتجاهل اعتراض “الحزب”
الدولة أمام تحدي الانخراط في المفاوضات وتجاهل اعتراض “الحزب”

كتب سعد الياس في “القدس العربي”:

دلّت الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل التي استضافها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض بدلاً من وزارة الخارجية، على وجود اهتمام أميركي كبير بملف لبنان وفصله عن المسار الإيراني. وقد أنتج اللقاء الثاني تمديداً للهدنة ثلاثة أسابيع إضافية مع تأكيد ترامب أنه خلال هذه المدة سيحضر الرئيس اللبناني جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن.

فهل يمكن أن يتم اللقاء بين عون ونتنياهو في ضوء الاعتراض الشديد من «حزب الله» على التفاوض وفي ضوء البرودة المعلنة من رئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط خلافاً لتشجيع رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع على حصول اللقاء؟

في الواقع، بدا أن السلطة اللبنانية مصرّة على انتزاع قرار المفاوضات والسلم من يد «حزب الله» الذي ما زال يحتفظ بقرار الحرب ويرفض تسليم سلاحه، وهذا ما يفسّر استمرار حالة عدم الاستقرار في جنوب لبنان. وتعتبر السلطة اللبنانية أن لا خيار أمامها لوقف إطلاق النار ولتحرير الأرض واسترجاع الأسرى وإعادة النازحين إلى قراهم وبلداتهم وفتح ملف إعادة الإعمار سوى بسلوك خيار التفاوض، مستهجنة التوقف عند المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة حيث تعتبر أن الفارق هو شكلي ليس أكثر، في وقت المطلوب سرعة في اتخاذ القرارات رغم ما تثيره الصورة من حساسية سياسية لدى الثنائي الشيعي الذي في رأي البعض هو منزعج من استبعاده عن تولي هذا الملف، بعدما قاد رئيس مجلس النواب نبيه بري بالتنسيق مع «حزب الله» مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع الموفد الأميركي آموس هوكشتاين الذي كان ضابطاً سابقاً في الجيش الإسرائيلي.

كما أن ما يزعج الثنائي الشيعي وتحديداً «حزب الله» هو فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني الجاري في إسلام آباد مما يفقد طهران ورقة لبنان التي يمكن أن تستخدمها للمساومة ولتحسين ظروف مفاوضاتها. فيما السطة اللبنانية تعتبر أنه حان الوقت ليفاوض لبنان عن نفسه وألا يكون ورقة في جيب أي دولة أخرى تتاثر بتعقيد من هنا أو تعثر من هناك.

من هنا، يرفع «حزب الله» من سقف مواقفه السياسية ويدعو «السلطة إلى الخجل من شعبها والانسحاب مما سُمّي مفاوضات مباشرة مع العدو الصهيوني»، معلناً عدم التزامه بأي شيء يتقرّر، ورافضاً التسليم بأي خسارة في الميدان بعد حرب «إسناد إيران» رغم ترسيم تل أبيب خطاً أصفر يشمل 55 قرية جنوبية محتلة وتسعى لتحويلها إلى منطقة عازلة أو حزام أمني، بعدما كان الاحتلال الإسرائيلي بعد حرب «إسناد غزة» مقتصراً على خمس نقاط. وحذّر الحزب على لسان رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد من «وقوع البلاد في أسوأ مما أوقعت به في 17 أيار/مايو المشؤوم مطلع الثمانينات».

أما الرئيس بري ورغم مواقفه المعلنة الرافضة لأي تفاوض مباشر، إلا أن المعلومات تفيد بأن رئيس الجمهورية جوزف عون يطلعه على كل شاردة وواردة وبأنه على دراية بكل الخطوات.

ولم يعد خافياً أن الرئيس بري يتواصل مع المملكة العربية السعودية ومع مصر، وأوفد معاونه السياسي النائب علي حسن خليل لإجراء محادثات في الرياض قبل أن يصل الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت في مهمة تعكس ارتفاع منسوب الاهتمام السعودي بلبنان في ضوء التطورات وما يجري من تجاذبات حول عملية المفاوضات. ولفت الإعلان عن اتصال أجراه وزير الخارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان برئيس البرلمان تناول مسألة وقف العدوان الإسرائيلي وسبل مساعدة لبنان على حفظ سيادته واستقراره، كما لفت التواصل المستمر بين الرئيس بري ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أو السفير المصري في بيرت علاء موسى.

وكان اقتراح للمخابرات المصرية قضى باحتواء سلاح «الحزب» وتجميده في مخازنه في ظل عدم القدرة على نزعه وفي ظل رفض قيادة «الحزب» التخلي عنه. وتردد أن تواصلاً جرى مع طهران لإنهاء حالة الحرب في لبنان وترتيب طاولة حوار لحل الخلافات في ضوء إعلان أمين عام «الحزب» الشيخ نعيم قاسم في آخر إطلالة له «انفتاحه على أقصى التعاون مع السلطة في لبنان بصفحة جديدة مبنية على تحقيق سيادة وطننا لبنان، في إطار الوحدة، ومنع الفتنة، واستثمار إمكانات القوة ضمن استراتيجية الأمن الوطني».

غير أن هذا الطرح لا يلقى تأييداً من قبل الفريق السيادي الذي يحذّر من تضييع الوقت عبر العودة مرة جديدة إلى حوارات لا طائل منها لا يلبث «حزب الله» أن يتنصل منها كما فعل في أكثر من محطة. ويعتبر هذا الفريق أن لبنان اليوم أمام واقع خطير، في ظل رفض «الحزب» تسليم سلاحه من جهة، واقامة إسرائيل منطقة عازلة في الجنوب من جهة أخرى، ويدعو إلى التقاط الفرصة التي لاحت من جديد من خلال الدور الأميركي وإصرار الرئيس ترامب على ترؤس الجولة الثانية من مفاوضات واشنطن في خطوة استثنائية، الأمر الذي يفتح نافذة يجب استثمارها قبل فوات الأوان لئلا يُترَك لبنان لمصيره، مع التشديد على ألا يتم التعامل مع المفاوضات على قاعدة التفاوض لمجرد التفاوض مثلما حصل بالنسبة إلى اتخاذ قرارات مجلس الوزراء حول حصرية السلاح التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ بسبب الدولة العميقة وتغلغلها في مؤسسات الدولة الأمنية والإدارية والتهويل على أركان السلطة بحرب أهلية من جهة وإطلاق الاتهامات والتخوين بحق كل من رئيسي الجمهورية والحكومة من جهة أخرى. ووصل الأمر بالنائب السابق نواف الموسوي حد تحذير رئيس الجمهورية من أن يلقى مصير الرئيس أنور السادات رداً على قول الرئيس عون إنه مستعد للذهاب أينما كان من أجل تحرير الأرض.

ورداً على أصوات التهويل والاعتراض، يدعو الفريق السيادي الرئاستين الأولى والثالثة إلى عدم الالتفات إلى أي تهديد أو الخضوع لأي ضغط، ويستهجن تشديد «حزب الله» على ضرورة حصول إجماع وطني حول المفاوضات في وقت لم يسأل أحداً لا من الدولة واللبنانيين عندما ذهب منفرداً وبقرار أحادي إلى ثلاثة حروب ضد إسرائيل وإلى حرب في سوريا دعماً لنظام بشار الأسد. وعندما تقع الواقعة يُلقي التبعات على الدولة وعلى غياب الوحدة الوطنية، ويدعو الدولة إلى تحمل مسؤولياتها في إعادة الإعمار وفي التعويض على عائلات الشهداء في حرب لم يخترها اللبنانيون بل تمّ جرّهم إليها. وهذا أمر بات يتحسس منه اللبنانيون المعارضون للحرب الذين بدأت شرائح منهم ترفع الصوت برفض تحمّل أي خسائر وأي أكلاف مادية في حرب لا علاقة لهم بها، بل يدعون إلى تحميل إيران الأكلاف من خلال ملف موثّق تعده الدولة اللبنانية.

في غضون ذلك، عُلم أن الاستقرار النقدي في لبنان يواجه تحديات غير مسبوقة في ظل تداخل الأزمة المالية الممتدة منذ عام 2019، مع تصاعد التوترات الإقليمية وانخراط لبنان في الصراع الدائر في المنطقة. وفي تقرير للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أنه «بعد الانهيار الحاد الذي تعرّض له سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، تمكنت السلطات النقدية من تحقيق استقرار نسبي لسعر الصرف عند حدود 89.500 ليرة للدولار منذ آب 2023، بعد أن كان قد وصل ذروته السلبية إلى 140 ألف ليرة في آذار/مارس من العام نفسه. غير أن هذا الاستقرار الهشّ، بحسب توصيف البنك الدولي، غير قائم على أسس تعافٍ بنيوي، ولم يكن نتيجة تحسن اقتصادي فعلي، بل كان ثمرة سياسات ظرفية هدفت إلى إدارة الأزمة أكثر من معالجتها، وهذا ما يجعله قابلًا للانهيار عند أول صدمة خارجية».

ويضيف التقرير «أن الحرب الإقليمية الأخيرة فاقمت هذه الهشاشة، حيث لم تقتصر تداعياتها على الخسائر المادية التي قُدرت بنحو 14 مليار دولار وحسب، بل امتدت لتشمل ركائز الاستقرار النقدي نفسها»، مشيراً إلى «تراجع تحويلات المغتربين المقدرة بـ 4.8 مليار دولار في عام 2025، التي تشكل المصدر الأساسي للعملات الأجنبية، نتيجة تأثر اقتصادات دول الخليج وتصاعد المخاطر الأمنية. كما أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة كلفة الاستيراد بشكل ملحوظ، في حين تراجعت الصادرات اللبنانية إلى أدنى مستوياتها بسبب تعطل المعابر البرية وتدهور العلاقات التجارية».

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق ترامب: على إسرائيل وقف هجماتها على لبنان
التالى بري مرتاح بحذر: أولوية للوضع الداخلي ومنع الفتن