مساران أمني وسياسي.. فأين منهما “الحزب” وسلاحه؟

مساران أمني وسياسي.. فأين منهما “الحزب” وسلاحه؟
مساران أمني وسياسي.. فأين منهما “الحزب” وسلاحه؟

كتب سعد الياس في “القدس العربي”:

تركزت الأنظار هذا الأسبوع على الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بعد اجتماعَين تمهيديَّين حضر أحدهما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض. وما ميّز هذه الجولة هو صدور بيانات متقاربة عن الجانبين اللبناني والإسرائيلي والخارجية الأمريكية تحدثت عن تقدم دبلوماسي ملموس واتفاق على تمديد وقف إطلاق النار الحالي لمدة 45 يوماً إضافية، لإفساح المجال أمام انطلاق مسار أمني برعاية أمريكية في 29 أيار، إضافة إلى إطلاق مسار سياسي رسمي يعزز فرص التوصل إلى حل سلمي دائم، على أن تُعقد الجولة المقبلة من الاجتماعات يومي 2 و3 حزيران 2026 في وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن.

وإذا كان الوفد اللبناني شدد في بيانه على عناوين السيادة وعودة النازحين وإعادة الإعمار وإطلاق المحتجزين واستعادة الرفات، فقد لفتت فقرة تحدثت عن تجنب إخفاقات الترتيبات السابقة والمقصود بها حصرية السلاح، في ضوء اشتراط إسرائيل نزع سلاح «حزب الله». وجاء في الفقرة تحت عنوان «آلية تحقق مستقلة» أن «لبنان يصر على اعتماد آلية تنفيذ تدريجية وقابلة للتحقق، بدعم من الولايات المتحدة، لضمان تنفيذ جميع الالتزامات من دون المساس بالسيادة اللبنانية».

وفهم أن الولايات المتحدة ستتولى تسهيل وتعزيز قنوات التواصل والتنسيق العسكري المباشر بين لبنان وإسرائيل، عبر مسار أمني وقد يشمل ذلك قيام ضباط عسكريين أمريكيين بدور ضباط ارتباط مع الجيش اللبناني بهدف إدارة عمليات التنفيذ اليومية، على أن يتراجع التصعيد العسكري الإسرائيلي خلال فترة تمديد وقف إطلاق النار لإعطاء فرصة لمتابعة المفاوضات خلال الايام الـ 45، من دون أن يعني ذلك توقف إسرائيل عن استهدافاتها بحجة حماية أمنها وأمن مستوطنيها.

ونُقل عن مصادر أمريكية اعتبارها «أن الأطراف الثلاثة باتت تتحرك ولو بدرجات وأساليب مختلفة ضمن جبهة سياسية واحدة في ما يتعلق بضرورة معالجة ملف حزب الله حتى لو بقي الخلاف قائماً حول آلية التنفيذ والتوقيت والتفاصيل السياسية». وكانت الجولة الثالثة تميّزت بترؤس السفير السابق سيمون كرم للوفد اللبناني المفاوض وبطول الاجتماعات التي امتدت على يومين ولساعات طويلة، ما فُسّر أن الأمر تجاوز البعد البروتوكولي في الجولتين الأولى والثانية إلى مفاوضات فعلية وجدية تسعى من خلالها الإدارة الأمريكية إلى تحقيق اختراق عملي، بعدما تفهمت دوافع الرئيس اللبناني العماد جوزف عون لعدم اللقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل تحقيق تقدم في المفاوضات.

واللافت أن هذه الجولة انعقدت على الرغم من اعتراض «حزب الله» ورفع أمينه العام الشيخ نعيم قاسم الصوت عالياً للانسحاب من المفاوضات المباشرة، إلا أن رئيس الجمهورية العماد جوزف عون الذي تمنحه المادة 52 من الدستور صلاحية التفاوض، لم يتراجع عن خياره لأنه يرى أن البديل عنه هو استمرار الحرب والدمار والقتل والتهجير، بل هو مضى بالتنسيق مع رئيس الحكومة نواف سلام في هذا التفاوض مستفيداً من ما يعتبره فرصة سانحة قد لا تتكرر، إذ إن الرئيس ترامب لديه صهر لبناني وحفيد لبناني، والسفير الأمريكي في لبنان ميشال عيسى هو من أصل لبناني وحتى السفير توم براك من أصول لبنانية من منطقة زحلة، فيما المبعوثة الأمريكية مورغان أورتاغوس أنشأت صداقة قوية مع رجل الأعمال اللبناني المصرفي أنطون الصحناوي، إضافة إلى أن الولايات المتحدة تحت سلطة الرئيس ترامب انتقلت من سياسة الاحتواء في الشرق الأوسط إلى سياسة الحسم، وهي تسعى لتفكيك النفوذ الإيراني في المنطقة بالتزامن مع منع طهران من التحول إلى دولة نووية.

وإذا كان البعض يطرح تساؤلات حول قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ تعهداتها بمعزل عن موافقة «حزب الله» إلا أن تساؤلات تُطرَح في المقابل حول قدرة «الحزب» على تعطيل القرار الرسمي التي لم تعد كما كانت قبل سنوات. ويبدو أن تمسك الشيخ نعيم ومسؤولي «الحزب» بورقة السلاح وبالحوار الداخلي لم يعد يلقى آذاناً صاغية لدى العديد من القوى السياسية في لبنان وفي طليعتها رئيس الجمهورية الذي فاوض رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد مراراً ومنح «الحزب» فرصة 13 شهراً لإبداء المرونة والقبول ببرنامج مرحلي لتسليم السلاح ولكن من دون أي تجاوب.

وما يعزز فكرة عدم جدوى الحوار هو المتغيّر العسكري على الأرض، إذ سقطت شعارات «الحزب» العلنية التي رفعها منذ سنوات حول توازن الرعب وقوة الردع، ويرى منتقدو «الحزب» أن شعار «نحمي ونبني» ليس واقعياً في ظل عدم قدرة «حزب الله» على حماية قياداته من السيد حسن نصرالله وخليفته السيد هاشم صفي الدين والصف الأول والثاني وصولاً إلى عدم حماية نحو مليون شيعي من البيئة الحاضنة التي اضطرت إلى ترك منازلها في الجنوب والضاحية. أما شعار «نبني» فثبت عدم جديته نظراً لتحول قرى وبلدات بأسرها في الجنوب وصولاً إلى نهر الليطاني إلى ما يشبه «نموذج غزة». كذلك، فإن توعّد السيد نصرالله بالدخول إلى الجليل بات من الماضي بعدما اجتاز الجيش الإسرائيلي نهر الليطاني فارضاً أمراً ميدانياً واقعاً على المفاوض اللبناني. ويستغرب هؤلاء كيف لا يزال «حزب الله» يطلق المعادلات وينكر المتغيرات، وآخر مواقفه ما صدر عن الشيخ نعيم قاسم حول رفض العودة إلى مرحلة ما قبل 2 آذار حيث كانت إسرائيل تمتلك حرية الحركة في الأجواء اللبنانية مقابل صبر «الحزب» وعدم رده على الاعتداءات لمدة 15 شهراً.

غير أن أوساطاً من داخل البيئة الشيعية خرجت لتقول إن الوضع قبل 2 آذار كان أفضل منه من الوضع بعد 2 آذار، على الرغم من أن الجيش الإسرائيلي كان يمارس عمليات عدوانية شبه يومية ورفض الانسحاب من النقاط الخمس التي احتلها بعد حرب «إسناد غزة» ولم يسمح لسكان 14 بلدة حدودية من العودة، لكن هذا الوضع بقي أفضل مما آلت إليه التطورات العسكرية التي جعلت الإسرائيلي يسيطر على 68 قرية وبلدة جنوبية ويهجّر نحو مليون مواطن من أرضهم.

ودخل الرئيس نواف سلام على الخط منتقداً «حزب الله» بقوله «كفانا مغامرات عبثية في خدمة مشاريع ومصالح أجنبية وآخرها حرب لم نخترها بل تم فرضها علينا وقد أدّت إلى احتلال إسرائيل 68 بلدة وقرية وموقعاً بعدما كنا نسعى لإخراجها من نقاط خمس». أضاف «بعد كل هذا مع ما حمله من قتل ودمار ونزوح ومآسي يطلع علينا من يحاول ان يستخف بعقولنا ويسمي ذلك انتصارات»، وختم «كفانا تحريضاً وتخويناً، فهذا لا ولن يرهبنا فنحن ثابتون على خياراتنا الوطنية وأقوياء بدعم غالبية اللبنانيين لها».
يبقى أن البعض يترقب مدى التزام «حزب الله» بوقف إطلاق النار بعدما نُقل عن رئيس مجلس النواب نبيه بري أنه أبلغ رئيس الجمهورية جوزف عون بالتزام «الحزب» وقف النار في حال نجح الوفد اللبناني بانتزاع قرار مماثل من الجانب الإسرائيلي. إلا أن المؤشرات توحي لغاية الآن باستمرار استجابة تل أبيب لطلبات الرئيس ترامب بعدم استهداف بيروت وضاحيتها الجنوبية، مع مراقبة سير العمليات العسكرية في الجنوب.

يبقى أن العقدة الأساسية ستكون رفض «حزب الله» تسليم سلاحه وعودته لطرح استراتيجية الأمن الوطني واعتبار السلاح شأناً يُحل بالداخل، وهو ما تعارضه قوى سياسية لبنانية ترى في هذا الطرح استعادة لطاولات الحوار والتشاور ولإعلان بعبدا، وكلها محاولات لا تطمئن خصوصاً بعدما انقلب عليها «الحزب» عندما سنحت له الفرصة. فالحزب حتى إشعار آخر يؤمن أن السلاح هو بالأساس للدفاع عن السلاح كما سبق للسيد نصرالله أن أعلن في إحدى الاطلالات. ويؤمن «الحزب» أيضاً أن لا شيء يحميه ويحمي بيئته إلا سلاحه وليس الدولة اللبنانية أو الجيش اللبناني. ويعتقد أن تسليم السلاح هو استسلام ويفضل ربط المسار اللبناني بالمسار الإيراني. فهل ينجح الرئيس بري في إقناع «الحزب» بتسليم سلاحه أم ستصطدم المفاوضات بألغام على غرار ألغام مضيق هرمز وتستمر إسرائيل في اعتداءاتها وضرباتها وأبرزها ما طال مدينة صور بعد أقل من ساعة على انتهاء مفاوضات واشنطن؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق إدارة الملف التفاوضي تتم فقط من القصر الجمهوري
التالى سباق بين التفاوض والتصعيد… والحصار يشتد على “الحزب”