كتب طارق أبو زينب في “نداء الوطن”:
لا يأتي الحضور الإماراتي تجاه لبنان تحرّكًا عابرًا أو رد فعل ظرفيًا، بل كتموضع سياسي ثابت يتقدّم المشهد عند كل أزمة، ويعيد تثبيت نفسه عند كل استحقاق، في مسار طويل من الالتزام السياسي والإنساني الذي لم ينقطع يومًا، حيث لا تراقب أبوظبي التطورات من الخارج، بل تشارك في إعادة رسم موقعها داخل المعادلة اللبنانية كلما اشتدت الضغوط وتفاقمت التحديات.
ولا تبدو العلاقة مع لبنان علاقة دعم تقليدي أو موسمي، إنما مسار متراكم يجمع بين السياسة والإنسان، ويتجسد في كل محطة مفصلية، بالتوازي مع احتضان آلاف اللبنانيين الذين وجدوا في الإمارات مساحة استقرار وفرص عمل، في مقابل انهيارات لبنانية متتالية تعيد إنتاج الأزمات بدل حلّها.
وفي هذا السياق، يأتي قرار وزارة الخارجية الإماراتية برفع حظر سفر المواطنين الإماراتيين إلى لبنان كإشارة سياسية محسوبة لا يمكن فصلها عن قراءة دقيقة لمؤشرات الاستقرار، ولا عن مقاربة تربط الانفتاح بالتطور الفعلي على الأرض.
موقف حاسم بلا منطقة رمادية
سياسيًا، لا تعتمد أبوظبي لغة المواربة في مقاربة الملف اللبناني، إذ رحبت الإمارات بإعلان لبنان وإسرائيل التوصل إلى اتفاق إطار برعاية الولايات المتحدة، مؤكدة تضامنها الكامل مع الدولة اللبنانية ودعمها في هذه المرحلة الدقيقة، والتزامها بوحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه. غير أن الرسالة الأكثر حدة تتركز في نقطة مركزية تتمثل في دعم حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، باعتباره شرطًا لا يمكن تجاوزه لأي مسار استقرار، ومدخلا أساسيًا لإعادة بناء مؤسسات الدولة وترميم الثقة المفقودة بها.
وفي هذا الإطار، جاء اتصال الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، برئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ليؤكد استمرار القنوات السياسية المفتوحة، والتأكيد المشترك على ضرورة تثبيت الاستقرار وتعزيز التعاون، في لحظة يزداد فيها الاحتياج إلى مظلة دعم إقليمية واضحة للبنان، لا تكتفي بالبيانات بل تترجم نفسها في سلوك سياسي مستمر.
الدبلوماسية حين تتحول إلى فعل مباشر
لكن في النموذج الإماراتي، لا تبقى السياسة أسيرة الخطاب، بل تتحول سريعًا إلى فعل ميداني مباشر، إذ وجّه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وكالة الإمارات للمساعدات الدولية بتقديم مساعدات إنسانية عاجلة لإغاثة المتضررين ومساعدة المحتاجين من الرجال والنساء والأطفال، في ترجمة عملية لمفهوم يعتبر أن الاستجابة الإنسانية جزء لا يتجزأ من الاستقرار السياسي، وليست نتيجة لاحقة له.
امتداد تاريخي
هذا المسار لا يمكن فصله عن امتداد تاريخي بدأ في عهد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي قدّم عام 1974 مبلغ 150 مليون دولار لتمويل مشروع الليطاني، واضعًا الأساس لعلاقة تقوم على الدعم الفعلي لا الشعارات، ثم استمر بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990 عبر هبات وقروض لإعادة الإعمار والبنية التحتية والتعليم والصحة في مرحلة إعادة بناء الدولة اللبنانية.
وفي عام 2001، أطلقت الإمارات مشروع إزالة الألغام في جنوب لبنان بكلفة 50 مليون دولار بالتعاون مع الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية، ثم اكتتبت عام 2003 في سندات خزينة بقيمة 300 مليون دولار ضمن مؤتمر باريس-2، قبل أن تطلق عام 2006 المشروع الإماراتي لإعمار لبنان وإزالة آثار الحرب.
حضور في قلب الأزمات
ومع مرور السنوات، ازداد هذا النهج وضوحًا في لحظات الانهيار، إذ خلال جائحة كورونا عام 2020 قدمت الإمارات 12 طنًا من المعدات الطبية، وأنشأت مركز الشيخ محمد بن زايد الإماراتي – اللبناني الاستشفائي الميداني، في تدخل مباشر داخل أزمة صحية عالمية غير مسبوقة.
وبعد انفجار مرفأ بيروت، كانت من أوائل الدول التي أرسلت جسرًا جويًا محمّلا بالمساعدات الطبية والإغاثية، في مشهد عكس سرعة استجابة تعكس طبيعة الدور الإماراتي في اللحظات الحرجة.
ومع تصاعد التوتر خلال حرب إسناد غزة بين إسرائيل و”حزب الله”، وجّه الشيخ محمد بن زايد في 30 أيلول 2024 بتقديم 100 مليون دولار مساعدات للبنان، إلى جانب 30 مليون دولار للنازحين اللبنانيين إلى سوريا، كما أطلقت الإمارات حملة “الإمارات معك يا لبنان”، مع إرسال 23 طائرة مساعدات وباخرتين حمّلتا خمسة آلاف طن من الدعم الإنساني.
يظهر الحضور الإماراتي في لبنان كمسار ثابت من الالتزام الممتد من عهد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى مرحلة القيادة الحالية برئاسة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، مسار يثبت أن لبنان في صلب الحسابات الإماراتية، وأن الدعم لا ينقطع حين تشتد الأزمات، بل يتعمق أكثر.



