بعد الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما، بوساطة أميركية، دخل المسار التفاوضي مرحلة دقيقة في ظل صعوبات كبيرة جعلت استئناف الحوار بصورته الطبيعية أمرًا غير يسير. وتركز الجهد الأميركي، عبر السفير ميشال عيسى، على إعادة بناء الثقة بين المفاوضين اللبناني والإسرائيليين وتهيئة الظروف لعقد الجولة الثامنة.
وفي هذا السياق، طُرح أن تقدم إسرائيل خطوة أو بادرة حسن نية في ملف الأسرى، تبدأ بالمدنيين، على ألا يقل عدد المفرج عنهم عن عشرة أسرى، لتكون مدخلًا إلى استئناف المفاوضات في روما. وأثمرت مساعي السفير عيسى، الذي زار إسرائيل والتقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عن الإفراج عن دفعة أولى من خمسة أسرى.
ورُبطت هذه الخطوة أيضًا بمساعٍ لبنانية جدية وملموسة لكشف رفات عدد من اليهود الذين فُقدوا في لبنان إبّان الحرب اللبنانية، كما حملت بُعدًا تفاوضيًا بوصفها إجراءً لبناء الثقة وكسر الجمود الذي أعقب الجولة السابعة.
وبحسب هذه المعطيات، يجري العمل على عقد الجولة الثامنة في روما بعد مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس منتصف الشهر الحالي، في محاولة لإبقاء المسار التفاوضي والمؤسساتي اللبناني ضمن دائرة الحركة وعدم ترك لبنان رهينة كاملة لتطورات المواجهة الإقليمية.
لكن الموفدين الذين زاروا لبنان أخيرًا لم يحصروا نقاشاتهم في الحرب والمفاوضات، بل ركزوا على عنوان أطلقوا عليه «استراتيجية مساعدة الناس». والمقصود هو استعادة الحكومة حضورها الفعلي على الأرض عبر وزاراتها ومؤسساتها، ولا سيما في الجنوب والمناطق التي عاد إليها النازحون، حيث تتراكم الحاجات الأساسية.
وتتمثل رسالة الموفدين في ضرورة الفصل بين الملفات الخدماتية والحياتية الداخلية وبين الحرب ومسار التفاوض. فالبنى التحتية والخدمات الأساسية لا يمكن أن تبقى معلقة بانتظار ما ستؤول إليه المواجهة في المنطقة، والدولة مطالبة بالعمل الآن، لا بعد انتهاء الحرب أو اكتمال التسوية السياسية.
وأبدى الموفدون استعداد بلادهم للمساعدة ماليًا وعينيًا، لكنهم شددوا على ضرورة وضع خطة عملية قابلة للتنفيذ تحدد الأولويات وآليات العمل والجهات المسؤولة. ويسجل هؤلاء بطئًا غير مبرر في الانتقال من المواقف والوعود إلى الحضور الحكومي العملي على الأرض، بما يزيد الفجوة بين الدولة والمواطن ويترك فراغًا قابلًا لأن تملأه جهات أخرى.
ويبرز ملف الكهرباء بوصفه الاختبار الأكثر وضوحًا. فمع وجود استعدادات عربية للمساعدة في حسم هذا الملف، ووجود خطة واضحة لدى وزير الطاقة والمياه جو صدي تحتاج إلى التمويل للتنفيذ، تتزايد الأسئلة عن أسباب استمرار التعطيل. كما تبرز علامات استفهام حول وجود «قطبة مخفية» قد تتقاطع فيها حسابات داخلية مع اعتبارات خارجية لإبقاء الملف في دائرة المراوحة، فيما يدفع المواطن اللبناني وحده ثمن الانهيار.
ولم تعد الخدمات الأساسية قضية يمكن الانتظار بشأنها، بل أصبحت جزءًا من معادلة الاستقرار. فكلما تراجعت قدرة الدولة على تأمين أساسيات الحياة، ازداد احتمال لجوء الناس إلى أي جهة قادرة على مساعدتهم، حتى لو كانت الجهة نفسها السبب المباشر في الخراب الذي أصاب حياتهم.
ويحذر الموفدون من أن «يصل الناس في مرحلة ما إلى اعتبار من تسبب في خرابهم وضياع مقومات حياتهم ملاذهم الوحيد».
وتقع المسؤولية أولًا على الحكومة اللبنانية، التي لا تستطيع تعليق كل شيء على نتائج الحرب والتفاوض، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية عربية ودولية، إذ ينبغي أن يتحول الاستعداد للمساعدة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، لا أن يبقى في إطار البيانات.
وبين روما وباريس والجنوب، تقوم المعادلة على أن إنجاح التفاوض يحتاج إلى الثقة، وحماية الاستقرار تحتاج إلى دولة حاضرة، ومساعدة الناس تحتاج إلى قرار سياسي يتجاوز الانتظار. فالمعركة ليست فقط على طاولة التفاوض، بل أيضًا على منع الفراغ من التحول إلى واقع دائم، واستعادة الدولة علاقتها المباشرة بالمواطن قبل أن يصبح اليأس والحاجة مدخلًا لإعادة إنتاج النفوذ السياسي والاجتماعي لمن كانوا سببًا في أزمات لبنان.
كتب داود رمال في «نداء الوطن».



