مع انطلاق موسم جديد من دوري كرة القدم الأميركية، يتجدد النقاش حول الكلفة الصحية التي يدفعها اللاعبون جراء رياضة تقوم على الاصطدام المتكرر، بعدما أعادت دراسة حديثة فتح ملف تأثيرها على الدماغ.
وبحسب مقال رأي نشرته صحيفة The Guardian، أظهرت دراسة نشرت في British Medical Journal وفحصت أدمغة لاعبين سابقين في دوري NFL توفوا بين عامي 2016 و2021، أن 215 دماغاً من أصل 235 دماغاً متبرعاً به حملت مؤشرات على الاعتلال الدماغي الرضحي المزمن المعروف باسم CTE.
وأشارت الدراسة، وفق الصحيفة، إلى أن نسبة انتشار المرض بين لاعبي NFL المتوفين خلال تلك الفترة قد تراوحت، في حدها الأدنى، عند 24.5%، وقد تصل في حدها الأعلى إلى 97.7%، على أن تكون النسبة الفعلية بين الرقمين. وتوحي هذه الخلاصة بأن المرض قد لا يكون حالة هامشية بين اللاعبين الذين يمضون مسيرتهم في الملاعب.
ولا يرتبط الخطر بضربة واحدة فقط، إذ تتعرض الرؤوس خلال المباريات لارتجاجات صغيرة لا تُسجل دائماً كإصابات مباشرة، لكنها قد تتراكم مع مرور السنوات وتؤدي إلى تلف عصبي طويل الأمد يرتبط بالاكتئاب واللامبالاة واضطراب الوظائف التنفيذية وتراجع القدرات الإدراكية.
ولفتت The Guardian إلى أن كل 2.6 سنة من ممارسة كرة القدم تضاعف احتمال الإصابة بـCTE. كما أن موسماً واحداً في كرة القدم على مستوى المدرسة الثانوية أو الجامعة قد يعرّض اللاعب بين 600 و1000 ضربة تحت ارتجاجية، وهي ضربات لا تؤدي بالضرورة إلى ارتجاج واضح، لكنها تترك أثراً تراكمياً على الدماغ.
وتزداد المخاوف في ظل بدء بعض الأطفال ممارسة كرة القدم العنيفة في الولايات المتحدة منذ سن الخامسة. وترى الصحيفة أن الدعوات إلى ممارسة الأولاد لهذه اللعبة لم تعد مجرد حنين ثقافي أو خطاب ذكوري قديم، بل قد تقترب من تعريض الأطفال للخطر.
ولا تقتصر المخاطر على CTE، إذ يشير المقال أيضاً إلى أن ممارسة كرة القدم تزيد احتمال الإصابة بمرض باركنسون بنسبة 61% مقارنة برياضيين في ألعاب منظمة أخرى، مع ارتفاع الخطر أكثر لدى من لعبوا على مستوى الجامعة أو الاحتراف.
وفي كتاب صدر عام 2024 عن كلفة كرة القدم الجامعية على البشر، تحدث صحافيو The Guardian إلى لاعبين سابقين عاشوا آثار الإصابات الدماغية. وقال بعضهم إنه يخشى أن يكون مصاباً بـCTE، لكنه لن يعرف ذلك إلا بعد الوفاة، لأن التشخيص المؤكد لا يتم عادة إلا عبر فحص الدماغ بعد الوفاة. كما تحدث آخرون عن نوبات هلع وفقدان الذاكرة وصعوبة في متابعة الدراسة أو الكلام بعد تكرار الارتجاجات.
وتسلط هذه الشهادات الضوء على أن المشكلة لا تتعلق فقط بمستقبل لاعب محترف يتقاضى ملايين الدولارات، بل تشمل أيضاً آلاف الفتيان والشبان الذين يدخلون اللعبة في المدارس والجامعات ويتعرضون للضربات نفسها قبل الوصول إلى الاحتراف.
وذكرت الصحيفة أن أحد اللاعبين السابقين تحدث عن زملاء لعبوا في NFL ثم أنهوا حياتهم، قبل أن تكشف فحوص ما بعد الوفاة إصابتهم بـCTE، ما يزيد المخاوف من الصلة بين الصدمات المتكررة والمآلات النفسية والعصبية القاسية.
وفي عام 2025 وحده، توفي 9 لاعبين سابقين في NFL تحت سن 48 عاماً، 7 منهم انتحاراً، وفق المقال. وتستخدم الصحيفة هذا الرقم للتأكيد على أن مأساة كرة القدم لا تقتصر على مستقبل بعيد، حتى لو لم يربط الجمهور دائماً بين المشهد المثير على الشاشة والعواقب المؤلمة خارج الملعب.
ويؤكد NFL التزامه بسلامة اللاعبين، كما أدخل خلال السنوات الماضية تعديلات على قواعد اللعب وبروتوكولات التعامل مع الارتجاجات. لكن The Guardian ترى أن هذه الإجراءات لا تغير جوهر اللعبة، إذ لا تزال كرة القدم الأميركية، كما تُلعب اليوم، قائمة على الاصطدام المتكرر بالرأس والجسد.
ويخلص المقال إلى أن الدوري لن يوقف نفسه، في ظل مشاركة الشركات والقنوات والرعاة والجمهور في منظومة ضخمة تجعل اللعبة أكبر من مجرد رياضة. وإذا لم يكن النظام مستعداً للتراجع، فإن القرار ينتقل إلى المشجعين والأهالي والمدارس.



