لم يكن تتويج الإنكليزي هاري كين، مهاجم نادي بايرن ميونيخ الألماني، بجائزة الكرة الذهبية لأفضل لاعب كرة قدم في العالم مساء الاثنين في لندن مجرد نهاية سعيدة لمسيرة طويلة، بل حمل رسالة واضحة حول الطريقة التي بات المصوتون يقيسون بها العظمة الكروية. فقد تقدم كين على الفرنسي كيليان مبابي، صاحب الرقم القياسي لأهداف كأس العالم، وعلى الإسباني لامين يامال، بطل العالم وبطل إسبانيا، ليصبح أول إنكليزي يحمل الجائزة منذ مايكل أوين عام 2001.
Advertisement
وتكتسب هذه القفزة دلالتها حين نعود عاماً واحداً إلى الوراء، فكين حل في المركز الثالث عشر فقط في نسخة 2025 على رغم تسجيله 41 هدفاً مع بايرن. أما ما تغير هذا الموسم فليس موهبته، بل اكتمال الصورة حوله. فقد سجل 73 هدفاً في 65 مباراة مع ناديه ومنتخب بلاده، وهي ثاني أعلى حصيلة في موسم واحد في التاريخ بعد ليونيل ميسي، وأحرز الثلاثية المحلية في ألمانيا، وسجل 14 هدفاً في دوري أبطال أوروبا، ثم قاد إنكلترا إلى المركز الثالث في كأس العالم، وهو أفضل إنجاز لها منذ عام 1966. وبذلك جمع للمرة الأولى بين الغزارة التهديفية والحضور المؤثر في المسابقتين الأكبر، أوروبياً وعالمياً.
غير أن السؤال الأهم يتعلق بما يعنيه هذا الفوز للجائزة نفسها. فقد كان التاريخ يميل بوضوح إلى أصحاب الألقاب الكبرى، إذ لم يفز بالجائزة خلال العقدين الأخيرين سوى عدد قليل من اللاعبين الذين لم يحرزوا دوري الأبطال أو كأس العالم أو بطولة قارية في عام تتويجهم. وكان يامال يملك الملف الأقوى وفق هذا المنطق، لكنه عانى في المونديال من الإصابة، وذهبت جائزة أفضل لاعب في البطولة إلى زميله رودري، ما أضعف صورته كصانع للقب. أما مبابي، فعلى رغم أرقامه الفردية الاستثنائية، أنهى الموسم من دون أي لقب كبير مع ريال مدريد أو منتخب فرنسا.
وتؤكد قراءة الترتيب النهائي هذا الاتجاه، فباريس سان جيرمان الفرنسي، بطل أوروبا للمرة الثانية على التوالي، دخل الحفل بعشرة مرشحين، لكن أفضلهم ترتيباً، الجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا، حل سادساً فقط، فيما غاب حامل اللقب عثمان ديمبيلي عن المراكز الخمسة الأولى. ويعني ذلك أن الإنجاز الجماعي وحده لم يعد كافياً إذا لم يرافقه تأثير فردي حاسم وواضح.
ولا يعني ذلك أن الجائزة تخلت عن الألقاب، بل إنها باتت تبحث عن التوازن بين الأمرين، وهو ما ينسجم مع التعديلات التي أُدخلت على معاييرها قبل سنوات، حين أصبح الأداء الفردي والتأثير الحاسم المعيار الأول، تليه الإنجازات الجماعية. وقد قدم كين المعادلة الأكثر اكتمالاً وفق هذا الترتيب: أرقام تاريخية، وألقاب محلية، وحضور مؤثر في كأس العالم، حتى لو لم تكتمل بلقب كبير.
وفي المحصلة، يمثل فوز كين انتصاراً لفكرة أن الاستمرارية الاستثنائية يمكن أن تتفوق على اللحظة الواحدة، مهما كانت لامعة. كما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة بعد عقدين هيمن فيهما ميسي وكريستيانو رونالدو على الجائزة، مرحلة لم يعد فيها اسم الفائز محسوماً مسبقاً، وباتت فيها المنافسة مفتوحة على أكثر من نموذج للنجومية.


